عاجل

لم يعد السؤال المطروح اليوم بين المهتمين بالصحافة :  هل ستختفي الصحافة الورقية؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر واقعية: كيف ستبقى؟ فالتاريخ يعلمنا أن وسائل الإعلام لا تموت، وإنما تعيد اكتشاف ذاتها كلما تبدلت البيئة الاتصالية،  فالإذاعة لم تلغ الصحافة، والتلفزيون لم يقض على الإذاعة، والإنترنت لم ينه دور التلفزيون، بل أعاد رسم الحدود بين الوسائل، وأجبرها جميعا على إعادة تعريف وظائفها و إعادة التشكل لتناسب معطيات العصر وفق مفهوم الإعلام التكاملي الذي لا تعتمد فيه المؤسسة الإعلامية على وسيط واحد لإتاحة محتواها الإعلامي  . 
وقد حضرت مؤخرا اجتماعا مهما بالهيئة الوطنية للصحافة لمناقشة آفاق تطوير المؤسسات الصحفية القومية مع نخبة من الأكاديميين والقيادات الصحفية ،لأن المؤسسات الصحفية الورقية  أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تواجه واحدة من أعنف موجات التحول منذ اختراع المطبعة في القرن الخامس عشر الميلادي ،  فالتكنولوجيا لم تغيّر أدوات الإنتاج فحسب، وإنما غيّرت سلوك الجمهور، وأنماط الاستهلاك، وآليات الإعلان، وبالتالي هناك تغيير في مفهوم النخبة الصحفية المؤثرة لصالح المؤثرين في منصات التواصل الاجتماعي .
وتشير العديد من الدراسات إلى أن استهلاك الأخبار ينتقل بوتيرة متسارعة نحو منصات التواصل الاجتماعي والفيديو، بينما تتراجع قدرة المؤسسات الصحفية التقليدية على جذب الجمهور،  كما أصبح الجمهور يعتمدون بصورة متزايدة على الهواتف الذكية والمنصات الرقمية بوصفها المصدر الأول للأخبار، وهو ما أدى إلى تراجع القراءة اليومية للصحف المطبوعة في معظم دول العالم.
ولا تقف الأزمة عند حدود الجمهور، بل تمتد إلى اقتصاديات المؤسسات الصحفية ،  فقد فقدت الصحافة الورقية خلال العقدين الأخيرين جزءا كبيرا من سوق الإعلانات لصالح المنصات الرقمية الكبرى، التي تستحوذ على النصيب الأكبر من الإنفاق الإعلاني العالمي بفضل قدرتها على الاستهداف الدقيق وتحليل بيانات المستخدمين، واستهدافهم بالمحتوى الإعلاني  ، حيث يقدر حجم الإنفاق الإعلاني في المنصات الرقمية 790 مليار دولار في العام 2025م ، في مقابل 280 مليار دولار للإعلانات الأخرى بما فيها المؤسسات الإعلامية التقليدية  ،  وتشير تقديرات دولية إلى أن الإيرادات الإعلانية المطبوعة تواصل الانخفاض عامًا بعد عام، بينما أصبحت الاشتراكات الرقمية وتنويع مصادر الدخل ، والتوسع في إنتاج المحتوى البصري،  هي الركائز الأساسية لاستمرار المؤسسات الصحفية.
ومن هنا فإن الحديث عن مستقبل المؤسسات الصحفية القومية لن يكون في الدفاع عن النسخ الورقية أو زيادة قيمتها للمستخدم ، فالمؤسسة الحديثة لم تعد دارا للطباعة، بل أصبحت منتجا للمحتوى متعدد المنصات،  تنتج الخبر والتحقيق والفيديو والبودكاست والنشرات البريدية والبيانات التفاعلية، وتوزعها عبر الورق والموقع الإلكتروني والتطبيقات والهواتف الذكية ومنصات التواصل، وبالرغم من القيمة المعنوية الكبرى لمؤسساتنا الصحفية الرائدة إلا أنها مهددة بالاختفاء إذا لم تستجب لظروف العصر ، وتتكيف مع المتغيرات المتلاحقة . 
لذلك نحن نتحدث عن نموذج اقتصادي جديد لابد فيه من تنوع مصادر الدخل ، وتعظيم الاستفادة من البيئة الرقمية ، واستثمارها كأدة رئيسية لإتاحة المحتوى الصحفي المعتمد على الوسائط المتعددة ، وهو ما تحاول الدولة عمله من خلال تشجيع تلك المؤسسات لأوعية الاستثمار المختلفة ، وتحقيق العوائد الاقتصادية من الأصول المملوكة لها .
إن الصحافة الورقية ليست في معركة مع الورق، بل في معركة مع الزمن،  ولن يكون البقاء للأقدم، ولا للأعرق، وإنما للأكثر قدرة على الابتكار والتكيف،  فالمؤسسات التي ستنجح في المستقبل هي التي ستنظر إلى المطبعة باعتبارها جزءًا من منظومة إعلامية متكاملة، لا مركزها الوحيد، وستدرك أن القيمة الحقيقية ليست في الحبر الذي يطبع على الورق، وإنما في الفكرة التي تترك أثرها في العقول أيا ما كانت وسيلة إتاحتها للجمهور .
إن مستقبل الصحافة الورقية لن يقاس بعدد النسخ المطبوعة، بل بمقدار ما تمتلكه من قدرة على إنتاج المعرفة، وصناعة الثقة، وتشكيل الوعي العام في عصر تتزاحم فيه المعلومات وتندر فيه الحقيقة ، ومن ثم فإن الرهان الحقيقي ليس على إنقاذ النسخ الورقية من الصحف ذات الإرث العريق ، بل على إعادة بناء المؤسسة الصحفية بوصفها مؤسسة معرفة وإبداع وابتكار، تتكامل فيها المنصات، وتتعدد فيها مصادر الدخل، ويتصدر فيها المحتوى المهني المشهد، مدعوما بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، دون أن تتخلى عن رسالتها الأصيلة وقيمها المهنية .  

تم نسخ الرابط