المجلس الأعلى للثقافة: تمكين الطفل المصري يبدأ بمشروع قومي شامل
أكد الدكتور محمد فتحي، عضو لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، أن ملف الطفل لم يعد يحظى بالمكانة التي كان يتمتع بها في السابق، معتبرًا أن غياب جهة موحدة تتولى إدارته أدى إلى تراجع الاهتمام به، رغم أنه يمثل أحد أهم ملفات الأمن القومي والاستثمار في مستقبل الدولة.
وقال فتحي، خلال تصريحات تلفزيونية مع الإعلامي عمرو أديب، في برنامج «الحكاية»، إن الدولة كانت تمتلك خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي رؤية واضحة للتعامل مع الطفل، حيث كان الملف يحظى بأولوية كبيرة باعتباره قضية استراتيجية، وهو ما انعكس في إطلاق مبادرات ومشروعات مثل عيد الطفولة، ومكتبة الأسرة، ومهرجان القراءة للجميع.
وأضاف أن السيدة الأولى في ذلك الوقت كانت تتولى مسئولية الملف بالكامل بالتنسيق مع الوزارات المختلفة، إلا أن هذه المنظومة شهدت، بحسب وصفه، فجوة كبيرة في أواخر العقد الأول من الألفية، واستمرت بعد ثورتي يناير ويونيو، ما أدى إلى تراجع حضور الطفل داخل أولويات الدولة.
وأوضح أن الاهتمام الحالي بملف الطفل يبدو واضحًا على مستوى الإرادة، لكنه لا ينعكس بنفس القدر على مستوى الإدارة أو التنفيذ، مشيرًا إلى أن عددا من الوزارات، بينها الثقافة، والتربية والتعليم، والشباب والرياضة، تعمل في هذا الملف، لكن السؤال الحقيقي يتعلق بحجم التأثير الفعلي لهذه الجهود على أرض الواقع.
وشدد على ضرورة إعادة النظر في طريقة التعامل مع الطفل المصري، مؤكدًا أن الحديث لا يجب أن ينطلق من نماذج محدودة كأطفال الأقارب أو النوادي، لأن هؤلاء لا يعبرون عن الواقع الكامل للأطفال في مصر، وهو ما يتطلب دراسة حقيقية لاحتياجاتهم وتحدياتهم.
وكشف أن لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة اقترحت إعداد استبيان شامل بعنوان «الحالة الثقافية للطفل المصري» يستهدف الأطفال في القرى والنجوع، بالتعاون مع الهيئة العامة لقصور الثقافة والمركز القومي لثقافة الطفل، باعتباره خطوة أولى لرسم صورة دقيقة عن واقع الطفل، مطالبًا في الوقت نفسه بتوفير دعم مالي وتشريعي لهذه المؤسسات بدلاً من استمرارها بميزانيات محدودة وقوانين قديمة.
وأكد أن تطوير هذا الملف يتطلب وجود جهة واحدة تتولى مسئولية إدارة شئون الطفل بشكل كامل، بدلاً من توزيع الاختصاصات بين عدة وزارات، مشيرًا إلى أن العديد من المبادرات والمشروعات المهمة التي استهدفت الطفل المصري توقفت مع تغير اللجان أو انتهاء تشكيلها.
ولفت إلى أن العالم يشهد تطورًا متسارعًا في التعامل مع قضايا الأطفال، مستشهدًا بما حدث في بريطانيا العام الماضي، عندما استقبل رئيس الوزراء كير ستارمر صناع وممثلي مسلسل يناقش مخاطر التنمر الإلكتروني والرموز التعبيرية «الإيموجي» وتأثيرها على الأطفال، بينما لا يزال الخطاب في مصر يقتصر على توجيه نصائح عامة للأسر بضرورة الانتباه إلى الأبناء.
وأضاف أن الطفل المصري لم يعد يجد مساحة حقيقية تعبر عنه في وسائل الإعلام، فاتجه إلى صناعة منصاته الخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، موضحًا أن أبرز التريندات خلال الأيام الماضية كانت لأطفال يقدمون محتوى لا يتناسب مع أعمارهم على تطبيق «تيك توك»، في الوقت الذي يتعامل فيه بعض المشاهير معهم بالسخرية أو يحولونهم إلى وسيلة لتحقيق مكاسب تجارية.
واختتم الدكتور محمد فتحي تصريحاته بالتأكيد على أن دور لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة يقتصر على تقديم الرؤى والمقترحات وصياغة السياسات، دون امتلاك صلاحيات تنفيذية، إذ تتركز أنشطتها في الندوات والموائد المستديرة، داعيًا إلى إطلاق مشروع قومي حقيقي يمتلك الإرادة والإدارة والقيادة، ويضع الطفل المصري في صدارة أولويات الدولة، مع الانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ الفعلي.
