عاجل

المصريون هم الشعب الوحيد في الدنيا كلها الذي يتعامل مع الوطن بما يعرف بمصطلح "أنسنة الوطن"؛ فمن خلال تتبعي لردود أفعال الشعب المصري على خروجهم من كأس العالم، لاحظت أنهم يعانون من اضطراب عاطفي شديد يسمى في أدبيات الخطاب السياسي بأنسنة الوطن أو الوطنية المفرطة، وهو أسلوب معروف قد يتحول عند بعض الأفراد إلى ارتباط عاطفي شديد يجعلهم يتعاملون مع الوطن كأنه شخص.

ولأن مصر هي هبة شعبها وليس كما قال هيرودوت بأنها هبة النيل؛ لأن الواقع يقول ذلك، فنهر النيل يجري في دول الاندوجو الثمانية ولم تقم حضارة إلا في مصر، بما يؤكد أن الشعب المصري منذ القدم وحتى الآن هو هبة مصر وليس نيلها. ولأن مصر شامخة بأبنائها وبالعظماء منهم، فقد تنامت علاقة غريبة بين المصريين كشعب ووطنهم مصر جعلتهم يعبرون عن مشاعرهم في الأزمات بصفة خاصة وفي كل الأوقات بصفة عامة وكأن مصر شخص أو إنسان يبوحون له بمكنون مشاعرهم وخوفهم وحزنهم، وتزداد مراحل أنسنة الوطن إلى العشق والهيام رغم كل ما يعانيه المصري من مشاكل وتحديات، لتظل مصر هي الداء والدواء، والحب والألم، والقرب والبعد.

علاقة المصري بوطنه غير كل العلاقات التي يعيشها أي مواطن آخر تجاه وطنه؛ المصري هو الوحيد الذي لم يكتب عنه التاريخ ويصفه باللاجئ، فهو لم يترك بلاده في أية أزمة وخاصة في الحروب، فهو لم يهرب ويلجأ لدولة أخرى مهما كانت شدة المواقف وابتلاءات الحروب وتحديات المراحل والمواقف. المصري ظل في بلاده يعيش فيها ولا يتركها إلا على مثواه الأخير في أرضها؛ ليصبح ثراها ومحياها بتواصل نسله مع كل ما في مصر.

المصري يعشق بلاده وإن كانت تضن عليه، يحتمي فيها رغم أنها تقسو عليه أحيانًا، يلعن ويشتم ويقول ما يحلو له، ووقت الشدة يتحول إلى أسد جسور يحميها بدمه ولا يسمح لأحدٍ -أيًا كان- أن يقول عليها كلمة ولا أن يتحدث عنها بسوء؛ فالمصري هو الوحيد من نوعه الذي يشعر بما يسميه علماء الاجتماع والنفس بأنسنة الوطن.

وضع تحت الوطن ألفًا وألفًا وألف معنى وعلامات؛ ففي هذا الوطن الحياة، والبعد عنه اللاحياة. أنسنة الوطن هي تلك الحالة والمسمى الذي يرتقي بك كمصري ليجعلك تشعر أن هذا الوطن إنسان مثله مثلك وإن كان يفوقك بالكمال والرقي والاكتمال؛ فها هو أنت تتحدث مع وطنك وتشكو إليه همك وتجري إليه لترتمي في أحضانه وتعلن له حبك وعشقك الأبدي.

في رحاب أنسنة الوطن هناك دومًا الشيء وضده؛ فالحب يقابله كره لأشياء لا تريدها في هذا الوطن وتعمل جاهدًا على إبعادها عن وطنك الحبيب، وفي رحاب الأنسنة أيضًا هناك الشوق وهناك الملل وكلاهما يزاحم الآخر ويظهر في المواقف والأزمات لينتصر الشوق دومًا ويكلل بالنجاح والفوز.

أنسنة وطنك هي حالة شعورية فريدة في نوعها يعيشها المصريون بصفة خاصة، وتتجلى في المناسبات والأزمات لتقول وبصوت عالٍ: إن مصر هبة المصريين.

تم نسخ الرابط