عاجل

​جاء الحكم القضائي البات في عدم أحقية وزيرة الثقافة في اعتبار أن نسبة الاقتباس كانت كبيرًا لدرجة وصلت إلى سرقة إبداع صاحبة المؤلف الأساسي، وأي اجتهاد في تفسير الحكم هو تأويل لا محل له وتزيد يمس حجية القضاء، خاصة وأن أي دارس للماجستير والدكتوراه يعرف أصول الاقتباس العلمي الحلال، وهناك برامج عديدة تفضح أي سرقة عندما تزيد عن الحد المسموح به علميًا، لذا فمن الأهمية معرفة تلك الحدود المسموح بها علميًا.
​وفي اللغة، الاقتباس يعني «التَّزوُّد والإفادة والطلب»، ويُعرَّف الاقتباس في البحث العلمي بأنه: «نقل بعض النصوص عن الآخرين بشكل مباشر أو غير مباشر؛ من أجل تأكيد فكرة مُعيَّنة أو نقدها نقدًا موضوعيًّا، والوصول إلى الجديد في التخصص ذاته»، وهو يعزز التأثير العلمي ويعتبر بمثابة استشهاد بأفكار الآخرين وآرائهم المتعلقة بموضوع البحث، بحيث تحدد الاقتباسات بشكل موجز مصدر المعلومات المستعارة في نص البحث. ويجب وضع الاقتباس في بداية أو منتصف أو نهاية المعلومات المستعارة.
​وتفترض الكثير من الجامعات أنّ نسبة الاقتباس المسموحة في رسائل الماجستير تكون كحد أقصى بنسبة 15%، على ألا تتجاوز نسبة 5% من المصدر الواحد. وهناك جامعات أخرى تسمح بنسبة اقتباس 20% في الرسائل والأطروحات وبحوث الترقية، بشرط ألا تحتوي على سرقة علمية، وهناك جامعات أخرى تعتمد نسبة 25% من الاقتباس كحد أعلى.
​بينما في الأعمال الفنية، فإن الموضوعات الأساسية لكل الأعمال الأدبية والفنية لا يتعدى تعدادها ستة وثلاثين موضوعًا، ومن هنا فإن كل إبداع العالم، شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، وفي كل زمان، يدور حول هذه الموضوعات. ولكن المهم كيف يعالج كل مبدع الموضوع نفسه معالجة مختلفة عمن سبقه، ممهدًا الطريق لمن سوف يأتي بعده. وروايات ومسرحيات شكسبير أو دوستويفسكي التي تمت معالجتها بكل لغات العالم فإنها أعادت خلق العمل من جديد، ويكون بهذا حلقة في سلسلة متتالية جوهرها هذا العمل، فكل نقل لشيء هو إعادة تشكيل وتفسير له.
​وفي الموسيقى، يستعير المؤلف الموسيقي جملة لحنية من سلف، ويعيد الاشتغال عليها. وكان موسيقار الجيل محمد عبد الوهاب يستعير جملًا من موسيقيين عالميين ويدمجها في ألحانه، هنا وهناك. وهذه الممارسة التي تعد رائجة في مجال الفنون، جرَّت على صاحب "كليوباترا" و"الجندول" تهمًا وصلت إلى منظمة اليونسكو، مفادها أن هذا الفنان الكبير لطش من جوزيبي فيردي في "أهون عليك"، ومن بيتهوفن في أولى نوتات أغنيته "أحب عيشة الحرية"، وما إلى ذلك.
​كما ظهر في العصر الحديث ما يعرف بـ«تمصير السينما»، وهو مصطلح أطلق منذ نهاية الثمانينيات على بعض الأفلام المصرية التي تعيد إنتاج الأفلام الأجنبية و«تمصيرها»، ليتم عرضها مرة أخرى على الجمهور بلغة مختلفة وأحداث متشابهة وهي بالمئات، حتى «البوستر» مقتبس، القصة لم يجرِ فيها أكثر من «التمصير»، ونفس مشهد التريلر في الفيلمين؛ ففيلم "طير أنت" مقتبس من Bedazzled، و"الفيل الأزرق" مقتبس من Tattooist.
​فالاقتباس مشروع، بل هو ضرورة من ضروريات العمل المعرفي، ولكن يكون الاقتباس محظورًا في حالات تدرجه تحت طائلة السرقة التي تتنافى مع أخلاقيات البحث والإبداع عندما يتم النقل حرفيًا. إننا بحاجة لفهم أبعاد الملكية الفكرية، والأهم فهم الحدود الأخلاقية والمهنية التي تنظم الاقتباسات لكي لا يقع أي مبدع، ولو على سبيل الاجتهاد، في المحظور حتى ولو بحسن النوايا!

تم نسخ الرابط