عاجل

​لم تعد التطورات المتلاحقة بين الولايات المتحدة وإيران تندرج ضمن الإطار التقليدي للصراع المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، كما لم يعد بالإمكان تفسير ما يجري باعتباره جولة جديدة من المواجهات العسكرية المحدودة؛ فالمشهد الإقليمي يشهد تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع وأدواته وأولوياته، إذ انتقلت بؤرة الاهتمام من المنشآت النووية وملفات التخصيب إلى الممرات البحرية وخطوط الملاحة الدولية، باعتبارها أحد أهم عناصر النفوذ الاستراتيجي في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح يدور حول مستقبل الاتفاق النووي أو حجم القدرات الإيرانية، بقدر ما أصبح يتعلق بمن يمتلك القدرة على إعادة صياغة قواعد الردع، وفرض السيطرة على الجغرافيا التي تتحكم في حركة التجارة والطاقة العالمية، وفي مقدمتها الخليج العربي ومضيق هرمز والبحر الأحمر.
​هذه ليست مجرد تفاصيل عسكرية، وإنما تعبير عن تحول استراتيجي كبير في طبيعة الصراع؛ فإيران من جانبها تدرك أن الضغط على خطوط الملاحة يمنحها أوراقًا لا تقل تأثيرًا عن امتلاك قدرات نووية متقدمة، والولايات المتحدة تدرك في المقابل أن أي تهديد لحرية التجارة الدولية يمثل تحديًا مباشرًا لنفوذها العالمي، ولذلك فإن المواجهة الحالية تتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة إلى معركة على النفوذ والهيبة والقدرة على فرض التوازنات.
​ورغم حدة التصريحات وتبادل الضربات، فإن المؤشرات لا توحي بأن أيًا من الطرفين يسعى إلى تحقيق نصر عسكري شامل؛ فالولايات المتحدة تعلم أن الانخراط في حرب مفتوحة داخل الشرق الأوسط ستكون له كلفة سياسية واقتصادية وعسكرية باهظة، خاصة في ظل أزمات دولية متزامنة، بينما تدرك إيران أن الدخول في مواجهة مباشرة واسعة قد يهدد بنية الدولة نفسها ويعرضها لضغوط غير مسبوقة.
​لهذا تبدو المواجهة الحالية أقرب إلى اختبار متبادل للردع، يسعى فيه كل طرف إلى فرض معادلة جديدة دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل؛ إنها حرب رسائل بقدر ما هي حرب صواريخ، وحسابات سياسية بقدر ما هي عمليات عسكرية.
​وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبرز أربعة مؤشرات تبدو الأكثر قدرة على تفسير مسار الأزمة واستشراف ما يمكن أن تؤول إليه التطورات خلال الفترة المقبلة:
​أولًا: معادلة الإرادة السياسية والعسكرية
والسؤال هنا بسيط في صياغته، لكنه بالغ التعقيد في نتائجه: هل تمتلك الولايات المتحدة وإيران استعدادًا حقيقيًا للذهاب إلى مواجهة أوسع، أم أن ما نشهده يدخل في إطار إدارة الأزمة واستخدام القوة كوسيلة للردع فقط؟ حتى الآن يبدو أن الطرفين يحرصان على توجيه ضربات محسوبة، تحمل رسائل قوية لكنها لا تدفع بالمنطقة إلى حرب شاملة، وهو ما يعكس إدراكًا متبادلاً لخطورة الانزلاق إلى مواجهة لا يمكن السيطرة على تداعياتها.
​ثانيًا: سقف الاشتباك
فكل أزمة من هذا النوع تعيد تعريف الحدود التي لا يجوز تجاوزها، وإلى أي مدى سيظل الرد محدودًا؟ ومتى يتحول استهداف موقع عسكري أو سفينة أو منشأة استراتيجية إلى سبب كافٍ لتوسيع نطاق الحرب؟ هذه الأسئلة لا تمتلك إجابات ثابتة؛ لأن الخطوط الحمراء نفسها أصبحت متحركة، تتغير وفقًا لحجم الضربة، وطبيعة الهدف، ورد فعل الرأي العام، وحسابات الحلفاء.
​ثالثًا: تماسك شبكة الحلفاء
وهو ربما الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة؛ فالتصعيد إذا اتسع لن يبقى حكرًا على واشنطن وطهران، وإنما سيدفع أطرافًا إقليمية ودولية إلى الانخراط بدرجات متفاوتة. الولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والقواعد العسكرية، بينما تعتمد إيران على شبكة من الحلفاء والوكلاء في أكثر من ساحة إقليمية، ومن ثم فإن أي توسع في المواجهة قد يحولها من صراع ثنائي إلى أزمة إقليمية واسعة، وهو السيناريو الذي تحاول معظم العواصم تجنبه.
​رابعًا: ميزان الكلفة والتحمل
وربما هو الأكثر واقعية؛ لأن الحروب الحديثة لا تقاس بعدد الصواريخ فقط، وإنما بحجم الخسائر الاقتصادية، وتأثيرها على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار المالي، والرأي العام الداخلي. والسؤال الحقيقي ليس من يستطيع توجيه الضربة الأقوى، وإنما من يمتلك القدرة على تحمل فاتورة المواجهة لفترة أطول؛ فاستمرار التوتر في الممرات البحرية يرفع أسعار التأمين والشحن، ويضغط على الاقتصاد العالمي، ويضاعف الأعباء على جميع الأطراف، بما في ذلك الدول غير المنخرطة مباشرة في الصراع.
​من هنا، فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس الضربات العسكرية ذاتها، وإنما احتمال غياب التفاهمات السياسية القادرة على منع الانزلاق إلى مرحلة أكثر خطورة، وتظل الحرب مرشحة لتجاوز إطار المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران إذا لم تُدعم بتفاهمات إقليمية أوسع، تضمن أمن الملاحة، وتمنع انتقال الصراع إلى ساحات جديدة.
​إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة فارقة، ولم تعد المنطقة تحتمل حربًا واسعة، والعالم لا يحتمل اضطرابًا طويلًا في طرق التجارة والطاقة؛ ولذلك فإن مسؤولية القوى الإقليمية والدولية لا تقتصر على إدارة الأزمة، وإنما تمتد إلى منع تحولها إلى صدام مفتوح يصعب احتواء نتائجه.
​إن ما نشهده الآن ليس نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة يُعاد فيها رسم قواعد الاشتباك، وتحديد موازين الردع، وإعادة توزيع النفوذ. ومن يقرأ المشهد بعين السياسة، لا بعين الانفعال، سيدرك أن المعركة الحقيقية ليست حول من يطلق الصاروخ الأول، وإنما حول من ينجح في فرض قواعد اللعبة الجديدة دون أن يدفع المنطقة إلى الهاوية.

تم نسخ الرابط