عاجل

الأمين العام لمجمع البحوث: القوة في الإسلام مسؤولية لإقامة العدل

الدكتور محمد الجندي
الدكتور محمد الجندي

ألقي خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، ودار موضوعها حول: "فلسفة القوة في الإسلام وأثرها في بناء الإنسان والمجتمع".

مفهوم القوة في الإسلام

وأكد أن الإسلام قدم مفهوما متوازنا للقوة، يقوم على بناء الإنسان أخلاقا قبل أن يقوم على القوة المادية، لأن القوة الحقيقية تنبع من صلة العبد بربه وقوة إيمانه الحقيقية، لأن الإيمان هو الأصل الذي تستمد منه جميع صور القوة الأخرى، والنبي صلى الله عليه وسلم بين لنا هذا المعنى بقوله: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير"، كما أن القرآن الكريم ربط بين التقوى والتمكين في قوله تعالى: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ"، والإنسان إذا فقد إيمانه وأخلاقه، فلن تغنيه قوته المادية، لأنها قوة زائلة لا تقوم على أساس راسخ، بينما يمنح الإيمان صاحبه الثبات والعزة والقدرة على مواجهة الشدائد.

وأوضح الدكتور محمد الجندي أن فلسفة القوة في الإسلام تقوم كذلك على نصرة الضعفاء وإقامة العدل ومساعدة المحتاجين، فالقوي الحقيقي هو من يقف إلى جانب صاحب الحق، لا من يستغل قوته في الظلم أو العدوان، وقد جسد الصحابة الكرام رضوان الله عنهم هذا المعنى للقوة، وهو ما نلاحظه في موقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما قال: "الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق"، مطبقا بذلك تعاليم الإسلام الحنيف.

من أسباب قوة المجتمع وتماسكه

وأضاف الإسلام الذي جعل رعاية الفقراء والمساكين والمرضى وأصحاب الحاجات من أسباب قوة المجتمع وتماسكه، لأن التكافل الاجتماعي ليس مجرد عمل إنساني، بل هو عبادة تحفظ المجتمعات وتحقق استقرارها، وهو ما بينه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " فإنَّما تُرزقونَ و تُنصرونَ بضعفائِكُمْ" في إشارة إلى أن بركة الضعفاء وإخلاصهم سبب في نزول الرحمة وحفظ المجتمعات.

وبين أن من أعظم صور القوة في الإسلام القدرة على العفو وضبط النفس، لأن الانتقام ليس دليلا على الشجاعة، وإنما القوة الحقيقية تظهر عند القدرة على الصفح والتسامح، وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله: "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".

وبقوله صلى الله عليه وسلم: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخيِّره من الحور العين ما شاء" ويعد أعظم نموذج عملي لذلك يوم فتح مكة، حينما عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن الذين آذوه وحاربوه، وقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، مجسدا بذلك أسمى معاني الرحمة والعفو عند القدرة، مبينا للبشرية جمعاء أن الأخلاق الكريمة هي مصدر الهيبة الحقيقية، لا البطش واستعراض القوة المادية.

وأشار إلى أن مفهوم القوة في الإسلام لا يقتصر على التعامل مع الإنسان فحسب، بل يمتد ليشمل الرحمة بجميع المخلوقات، لذلك فإن الرفق بالحيوان صورة من صور القوة الأخلاقية التي دعا إليها الإسلام، وهكذا كان يتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع جميع المخلوقات.

واستشهد بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه دخل بستانا لرجل من الأنصار، فرأى جملا، فلما أبصره الجمل حن إليه وذرفت عيناه، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم سنامه، ثم قال لصاحبه: "أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه"، و هذا الموقف يجسد عناية الإسلام بحقوق الحيوان، ويغرس في النفوس قيم الرحمة والإحسان، ويؤكد أن قوة الإنسان الحقيقية تظهر في حسن تعامله مع كل من حوله، لا في القسوة أو التجبر في الأرض؟.

الإسلام يرفض جميع صور البغي والظلم والتجبر

واختتم الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالتأكيد على أن الإسلام يرفض جميع صور البغي والظلم والتجبر، ويجعل القوة وسيلة لإقامة الحق وحماية الإنسان، لا أداة للعدوان أو الاستعلاء على الآخرين، كما أن القوة الحقيقية ليست في البطش أو فرض النفوذ، وإنما في صدق الإيمان، وحسن الخلق، وإقامة العدل، والتحلي بالرحمة والعفو والإحسان إلى الخلق، وهذه القيم هي التي تبني الإنسان الصالح، وتصنع مجتمعا متماسكا تسوده المودة والتكافل، وتحقق الأمن والاستقرار، وهو ما جاءت به رسالة الإسلام في بناء الفرد والأمة.

تم نسخ الرابط