تعد أزمة "حق الأداء العلني" التي نشهدها هذه الأيام من أهم القضايا التي شهدتها صناعة السينما والدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة؛ ليس لأنها تتعلق بمطالب فئة من العاملين في المجال الفني فحسب، بل لأنها أحدثت حالة من الانقسام والخلاف قد تمس استقرار صناعة تمثل أحد أهم عناصر القوة الناعمة المصرية.
وقد بدأت أولى إجراءات المطالبة بهذا الحق بتقدم النائب ياسر جلال، عضو مجلس الشيوخ، باقتراح برغبة إلى مجلس الشيوخ يدعو إلى تفعيل حق الأداء العلني لفناني الأداء استنادًا إلى قانون الملكية الفكرية، وقد ناقش المجلس الموقر الاقتراح وانتهى إلى التوصية بدراسة آليات تفعيل هذا الحق وإحالة تقريرها إلى الحكومة لاتخاذ ما تراه مناسبًا.
وفي إطار ذلك، عُقد اجتماع ضم ممثلي بعض الأطراف المعنية بهذا الملف لمناقشة آليات التفعيل، حيث تم طرح عدة أفكار؛ منها إعداد نماذج عقود موحدة ودراسة إنشاء جهة للإدارة الجماعية للحقوق والاستفادة من التجارب الدولية، وفي المقابل رفض المنتجون إلزامهم بالعقود الموحدة ورفضوا فكرة حق الأداء العلني كونه حقًا يمكن استغلاله والتنازل عنه والفنان يحصل على أجر مقابل ذلك خصوصًا وأن العقد شريعة المتعاقدين، وبالتالي أصبح حق الأداء العلني يشكل أزمة لاختلاف آراء الصناع حوله.
ومع اتساع التغطية الإعلامية وتتابع صدور تصريحات من بعض الفنانين تتضمن تمسكهم بهذا الحق، تابع الجمهور هذه الأزمة باعتبارها صراعًا بين الفنانين والمنتجين، خصوصًا مع لجوء بعض الفنانين إلى التصريح عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتضامنهم للمطالبة بتفعيل حق الأداء على نحو أوحى للرأي العام بأن المنتجين لم يراعوا بعض حقوقهم.
وهنا لابد أن نتطرق إلى آلية العمل في صناعة السينما منذ صدور قانون الملكية الفكرية عام 2002 وحتى بداية الأزمة، فنجد أنه خلال أربعة وعشرين عامًا استقرت صناعة السينما والدراما في مصر على نمط تعاقدي واضح يتمثل في أن المنتج يتعاقد مع الفنان مقابل أجر محدد، بينما يتحمل المنتج تكاليف الإنتاج ومخاطره، ثم يتولى استغلال العمل وبيعه للقنوات أو المنصات داخل مصر وخارجها، وخلال هذه الفترة أُنتجت آلاف الأعمال وأعيد عرضها عدة مرات دون ظهور مطالبات واسعة بالحصول على هذا الحق عند إعادة العرض.
وللتوضيح، فإن حق الأداء العلني يعد أحد الحقوق المرتبطة بالملكية الفكرية، ويقصد به حق صاحب الأداء في الحصول على مقابل عند استغلال عمله أمام الجمهور أو إعادة بثه أو عرضه وفقًا للقانون، فهل القانون الحالي أوجب تطبيقه؟
بالنظر في القانون المنظم لهذه الحقوق والملزم لكافة الأطراف في مصر وهو قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، نجد أن مواد القانون منحت فناني الأداء حقوقًا أدبية مثل أن يُنسب الأداء إليهم ويُمنع تشويهه، وحقوقًا مالية تتعلق باستغلال الأداء، غير أن القانون تضمن في المادة 156 تحديدًا والمتعلقة بالحقوق المالية أن أحكام هذه المادة لا تسري على تسجيل فناني الأداء لأدائهم ضمن تسجيل سمعي بصري ما لم يتفق على غير ذلك، ولا بد أن نشير إلى أن الأفلام والمسلسلات تعد من المصنفات السمعية البصرية.
ونظراً لأن القانون المصري لم يقرر صراحةً لفناني الأداء في المصنفات السمعية البصرية حقًا مستقلًا في مقابل الأداء العلني، فإن آلية تعامل المنتجين مع فناني الأداء تتفق وصحيح القانون.
وللإنصاف، فإن مطالبة فناني الأداء بتطبيق هذا الحق تعد مطالبة مشروعة كأي فئة تسعى لتحسين أوضاعها، ولكن هذا الأمر في ضوء السرد السابق يتطلب تعديلًا تشريعيًا على القانون الحالي يُحدد صراحة استحقاقهم لهذا الحق، والأهم تحديد الجهة الملزمة بالسداد والجهة التي تتولى تحصيل المقابل وهل هي النقابات أم جمعيات أم جهة تنشأ لهذا الغرض، مع تحديد أسلوب الرقابة على الجهة التي ستتولى ذلك وآلية توزيع المقابل والنطاق الزمني للتطبيق بحيث يتم تحديد أثر العقود المبرمة بين مستحقي هذا الحق والمنتجين لمنع أي منازعات تخص عقودًا سابقة وتحديد آلية إلزام القنوات أو المنصات أو جهات البث عامة بذلك.
إن الهدف من هذا السرد مقصود به أن هناك فارقًا كبيرًا بين اعتبار الحق قائمًا وواجب النفاذ وفق النصوص القانونية الحالية، وبين السعي إلى استحداث تنظيم تشريعي واضح وحاسم ومن خلال مجلس النواب المنوط به إصدار التشريعات يقرر لهم هذا الحق وآليات تطبيقه.
إن فكرة تطبيق حق الأداء العلني دون دراسة مستفيضة لآثاره القانونية والاقتصادية من كافة الأطراف المعنية قد تؤدي إلى نتائج تمس استقرار هذه الصناعة؛ فالمنتج بوصفه المستثمر الذي يتحمل مخاطر الإنتاج إذا تحمل أي التزام مالي جديد أو حدث انخفاض في قيمة بيع المصنف في خضم تكاليف الإنتاج العالية سيقل هامش ربحه ويقل معه حجم إنتاجه. وفي حالة أن جهات البث ستتحمل قيمة حق الأداء العلني فستتعقد آلية تعاقداته المالية معها، فضلًا عن أن بعض فناني الأداء قد يطالبون بهذا المقابل عن أعمال سبق وأن أُبرمت عقود بشأنها منذ إصدار القانون وقد تصل الأمور إلى حدوث منازعات قضائية. ومن ثم إذا تحققت تلك المعوقات أو غيرها قد يتوقف بعض المنتجين عن الإنتاج سواء لعدم قدرتهم المالية على الاستدامة في إنتاج أعمال جديدة أو لتجنب تعرض استثماراتهم لمزيد من المخاطر، وهذا بالنسبة لأصحاب الشركات الكبرى فما بالنا بالشركات الصغيرة أو الناشئة أو منتجي الأفلام المستقلة.
أما الفنان صاحب حق الأداء، فقد يتعرض لخفض أجره بصورة كبيرة وقد يفقد دخلًا أكبر بكثير من قيمة الحق الذي يسعى لتحصيله، خصوصًا مع قلة الأعمال المنتجة سنويًا والتي بلغت مثلًا عام 2025 عدد 32 فيلمًا مقارنةً بدول تطبق حق الأداء ويستفيد منه الفنانون لكونها تنتج آلاف الأفلام سنويًا، بل قد يضطر بعض المنتجين إلى تجنب التعاقد مع بعض الفنانين واللجوء للتعاقد مع مواهب جديدة للحفاظ على أرباحهم.
أما القنوات والمنصات، وهي القائمة بشراء الأعمال الفنية من المنتج، فقد تخفض سعر المصنف أو ترفض تحمل هذه الأعباء الإضافية بما قد يدفعها إلى الإحجام عن التعاقد على بعض المصنفات، فضلاً عن أن بعضها في دول أجنبية ويصعب إلزامها. وأما الجمهور، فإذا ارتفعت تكلفة الإنتاج قد تنعكس تلك الزيادة على أسعار التذاكر أو اشتراكات المنصات.
وبالتالي ينبغي أخذ هذه الفرضيات في الحسبان؛ لأنها إذا تحققت فقد تُسهم في إبطاء حركة الإنتاج وتراجع صناعة السينما التي أصبحت تواجه منافسة إقليمية كبيرة، وقد يضر ذلك بالمصلحة العامة التي تظل لها الأولوية عند الموازنة بين المصالح المختلفة والفئوية.
وأخيرًا… وماذا بعد؟… لعله من المناسب تنفيذ ما كان يجب تنفيذه قبل مناقشة الموضوع برلمانيًا وإثارته إعلاميًا، وذلك بأن تتم دراسة أبعاده وآثاره الاقتصادية والقانونية بصورة دقيقة في الغرف المغلقة بين جميع ممثلي الأطراف المعنية، وجميعهم قامات وأصحاب خبرات كبيرة وقادرون على اجتياز هذه الأزمة بهدوء والوصول إلى رؤية حول القرار المناسب الذي يحقق التوازن بين الحقوق والالتزامات ويحقق المصلحة العامة ويحافظ على مكانة صناعة السينما المصرية ويعزز قدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا، وذلك على النحو الذي يليق باسم مصر.