يوليو من الأشهر المحفورة في ذاكرة كل المصريين، لاسيما الفلاحين والعمال والطبقة الوسطى والدنيا، هؤلاء لا يمكن أن يتناسوا ذكرى ثورة يوليو 52، ولا يمكن أن تمر هذه الذكرى العطرة عليهم مرور الكرام؛ فقد قامت الثورة بتوزيع الأرض على الفلاحين، وأصبحت الأرض لمن يزرعها لا لمن يمتلكها، وكان الفلاح قبل ذلك يعمل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس والثمن قروش زهيدة لا تسمن ولا تغني من جوع.
وقد جاء عبد الناصر، وعلى درب الزعيم الراحل أحمد عرابي رفع شعار لسنا عبيداً ولن نورث ولن نستعبد بعد اليوم، وارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد والاستعمار. ومن القراريط التي وزعها عبد الناصر على الفلاحين استطاعوا تربية الأبناء، وتخرج منهم الأطباء والمهندسون والمعلمون إلخ. وفي ربوع البلاد ومدنها أقيمت المصانع التي استوعبت ملايين العمال في طول البلاد وعرضها، والأسماء كثيرة ومتعددة، وغفر الله لكل من دمرها وباعها في سوق النخاسة بثمن بخس وكانوا فيها وفينا من الزاهدين.
لقد كانت قلاعًا صناعية ملء السمع والبصر، كنا ننتظر النهوض بها عبر إدارات قوية ورشيدة، إلا أنهم من باب سياسة الخخصخصة قضوا على الأخضر واليابس، ولن يرحم التاريخ هؤلاء الأحياء منهم والأموات. وفي عهد الثورة المباركة ارتفعت هامات الفلاحين وتقدموا الصفوف، وفي المجالس التشريعية قطفوا ثمار العناء والجهاد.
أحب المصريون جمال عبد الناصر من قلوبهم وبذلوا الغالي والنفيس طواعية لا كراهية، والشاهد هو المجهود الحربي حيث كانت النساء تتسابقن في التبرع بحليهن، وهو منظر مألوف مازالت جهات الرصد في دول المعاداة تتذكره ويتدارسونه فيما بينهم.
إن أعداء ثورة يوليو واحد من اثنين: إما متأسلم لا علاقة له بالإسلام وهم الإخوان ومن يقف في خندقهم، وإما أولاد الباشوات والباكوات الذين حرموا من نعمة الإذلال للغلابة والمساكين. وعبد الناصر بشر أصاب وأخطأ واجتهد في كل مراحل حياته، ويكفيه أنه من زرع العزة والكرامة في نفوس المصريين البسطاء. وفي مثل هذا الوقت، من الطبيعي أن نسمع ونرى أقلاماً تسب وتشتم في ثورة يوليو؛ فهؤلاء في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً.
رحم الله نصير الفلاح والعامل جمال عبد الناصر.