عاجل

قبل نحو 28 عامًا وتحديدًا في 1998 كان العالم التكنولوجي الوليد آنذاك مشتعل بصراع حاد بين طرفين، الأول Google بقيادة لاري بيج وسيرجي برين والطرف الثاني Microsoft بقيادة بيل غيتس، إذ أقدم جوجل على تحطيم احتكار مايكروسوفت لأنظمة ويندوز والمتصفح الشهير Internet Explorer.

ذلك العداء لم ينتهي عند حدود التسعينات ففي 2006 تحول إلى حرب شرسة حين أطلقت جوجل ملفاتها السحابية "Google Docs" لضرب الامبراطورية المالية لـ"Microsoft Office" وآنذاك ردت الأخيرة في 2009 بإطلاق محرك "بينج" لمواجهة هيمنة جوجل الإعلانية وتبعت ذلك بمحاولات أخرى كثيرة لم تكلل جميعها بالنجاح.

لكن في عالم التكنولوجيا دوام الحال من المحال، فأعداء الأمس أصبحوا اصدقاء اليوم، فخلال الأيام الماضية جلس على طاولة واحدة قيادات من جوجل ومايكروسوفت في واقعة غير مسبوقة، وكان السبب ليس عقد هدنة مؤقتة بل لإعلان تحالف عالمي ضد الصعود الصاروخي لشركات الذكاء الاصطناعي الناشئة مثل Open AI وAnthropic داخل قطاع الشركات.

ولنشرح القصة أكثر، علينا القول أن شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة مثل Open AI وAnthropic  لم تعد مجرد نماذج دردشة بل طورت ما بات يعرف بالوكلاء المستقلين AI Agents وهذه التقنية تسمح للموظف بأن يفتح واجهة حاسوبه اليومي على برنامج ذكاء اصطناعي ثم يطلب منه فعل ما يريد من مهام، وهنا تحديدًا شعرت جوجل ومايكروسوفت بالخطر إذ ان اعتياد الموظفين والشركات على استخدام هذه الواجهات الجديدة يعني أن تتحول البرامج التاريخية التي تدير مكاتب العالم مثل Google Docs وOutlook وMicrosoft Excel إلى مجرد أدوات صامتة تعمل في الخلفية دون أن يراها أحد، وهذا السيناريو يعني ببساطة أيضًا ضياع مليارات الدولارات من اشتراكات الشركات الضخمة التي ستذهب إلى جيب الوافدين الجديدة في معركة من يمتلك شاشة جهازك الرئيسية في العمل.

هذا الخطر دفع جوجل ومايكروسوفت إلى التحرك سريعًا حتى ولو على حساب العداوة القديمة وكانت أول الخطوات ابتكار ARD وهي تقنية تعمل بمثابة جدار حماية تنظيمي يمنع الوكلاء التابعين لـ Open AI وAnthropic من الدخول إلى قواعد بيانات الشركات او التفاعل مع ملفاتها إلا عبر شروط وقيود صارمة يفرضها أصحاب الأرض الأصليون ما يعني تقليم أظافر الوافدين الجدد وإبقائهم مجرد أدوات ليس أكثر.

تحالف جوجل ومايكروسوفت لم يتوقف عند فرض قيود البرمجة فقط فالشركة الأخيرة فعلت استراتيجية هجومية أكثر كفاءة حين اعتمدت على الاستبدال التدريجي لنماذج Open AI داخل تطبيقاتها الشهيرة مثل Excel و Outlook ببرامج أخرى مصممة داخليا تدعى MAI-Code مهمتها إدارة ملايين الأوامر الرقمية لتضرب بذلك عصفورين بحجر، التحرر من التبعية للمختبرات الناشئة وخفض فواتير التشغيل الضخمة التي كانت تدفعها لها.

المعارك لم تقتصر على الشاشات فقط بل وصلت إلى القضاء وتحولت إلى حرب تكسير عظام علنية كشفت عمق الذعر الذي يعيشه ملوك التكنولوجيا القدامي، فشركة أبل التي تعيش نفس المخاوف ذهبت إلى ساحات المحاكم لتقاضي شركة Open AI وتتهمها بسرقة 400 من كبار مهندسيها في الذكاء الاصطناعي بالاضافة إلى اسرار أخرى تجارية، وفي الخفاء كان السبب الرئيسي أن نجاح النماذج الناشئة في السيطرة على شاشات الأجهزة سيهدد بقاء نظام iOS، وهو ما دفع وادي السيلكون أيضًا بالتوصية بالاعتماد على النماذج الصينية الصاعدة التي تقدم 90% من كفاءة النماذج الامريكية مثل Deep Seek و Zhipu.

وأخيرًا يثبت هذا التحالف الاستثنائي أن العداء بين ملوك التكنولوجيا القدامي والوافدين الجدد أشرس من أي شيء آخر، كما يثبت أن القوة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي لا تحسم فقط بمن يتملك النموذج الأذكى، فالكواليس أثبتت أيضًا أن من يمتلك قنوات التوزيع والوصول الفعلي لبيئات العمل يمكنه فعل الكثير في تلك اللعبة.

تم نسخ الرابط