كيف نواجه الإحباط؟.. الدكتور مصطفى عبد الكريم يوضح
أكد الدكتور مصطفى عبد الكريم، عضو اللجنة الاستشارية العليا لمفتي الجمهورية، في رده عن سؤال كيف نواجه الإحباط؟، أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان من جسد وروح، ووضع له منهجًا متكاملًا يدير به حياته، يحقق له السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة، مشيرًا إلى أن هذا المنهج يمثل القواعد التي تنظّم حياة الإنسان.
النفس الإنسانية تتعدد أحواله
وأوضح عضو اللجنة الاستشارية العليا لمفتي الجمهورية، خلال حلقة برنامج "مع الناس"، المذاع على قناة الناس، أن النفس الإنسانية ليست نوعًا واحدًا، بل تتعدد أحوالها كما ورد في القرآن الكريم، بين النفس المطمئنة، واللوّامة، والأمّارة، والراضية، والمرضية، مؤكدًا أن هذه الحالات تؤثر على سلوك الإنسان ونظرته للحياة، وقد تجعله يتغير وفقًا للظروف المحيطة به.
وأشار إلى أن حالة الإحباط التي تسيطر على بعض الناس اليوم ترجع إلى طبيعة العصر السريع، حيث تتدفق المعلومات بشكل متواصل، ما يجعل الإنسان عرضة للتأثر بكل ما يسمعه أو يراه، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا.
اضطراب المشاعر
وأضاف أن منصات التواصل الاجتماعي تمثل عاملًا مؤثرًا في الحالة النفسية، لافتًا إلى أن الاستخدام المفرط لها والتنقل بين محتويات متناقضة يؤدي إلى اضطراب المشاعر، خاصة مع انتشار الأخبار غير الدقيقة وغياب التوثيق.
وحذّر عضو اللجنة الاستشارية العليا لمفتي الجمهورية من الانسياق وراء كل ما يُنشر، مؤكدًا ضرورة التثبت، ومشيرًا إلى أن غياب هذا الوعي يزيد من التشاؤم والإحباط.
كما أوضح أن المقارنة المستمرة مع الآخرين تمثل سببًا رئيسيًا في عدم الاستقرار النفسي، مؤكدًا أن لكل إنسان رزقه الذي قسمه الله له، وقد يحجب عنه ما يضره، مستشهدًا بقوله تعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم».
وشدد على أن إهمال الإنسان لروحه وعلاقته بربه يزيد من هذه الأزمات، مؤكدًا أنه إذا اهتم بهذه الجوانب ستتبدل أحواله، ويصل إلى النفس المطمئنة التي اطمأنت بذكر الله وسلّمت أمرها له.
وفي سياق متصل، ماذا يفعل المسلم إن أصابه هم أو بلاء؟، سؤال يشغل ذهن الكثيرين ممن يصيبهم الإحباط والحزن ويتسبب الجزع في أزمة نفسية قد تصل إلى حد إنهاء الحياة، وضمن حملة «أنت غال علينا» لمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية على فيس بوك نوضح.
ماذا يفعل المسلم إن أصابه هم أو بلاء؟
تقول دار الإفتاء إن الابتلاء قدرٌ من أقدار الله تعالى، ولا يُحكم عليه بظاهره بالضر أو النفع، كما أنَّه لا ينبغي للعبد أن ييأس من رحمة ربه، أو أن يضجر من الدعاء، أو يستطيل زمن البلاء، وليعلم أنه من أمارات محبة الله للعبد، وأن معنى الحديث الوارد في السؤال أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد بالعبد خيرًا اختبره وامتحنه بأيِّ نوع من أنواع الابتلاء.
وتابعت: يفرق بين ابتلاء الرضا وابتلاء الغضب بأن ابتلاء الرضا هو الذي يُقابل من العبد بالصبر على البلاء، وابتلاء الغضب يُقابل بالجزع وعدم الرضا بحكم الله تعالى، وأيضًا فإنَّ ابتلاء الغضب باب من العقوبة والمقابلة، وعلامته عدم الصبر والشكوى إلى الخلق، وابتلاء الرضا يكون تكفيرًا وتمحيصًا للخطيئات، وعلامته وجود الصبر الجميل من غير شكوى ولا جزع، ويكون أيضًا لرفع الدرجات، وعلامته الرضا وطمأنينة النفس والسكون لأمر الله سبحانه وتعالى.
ماذا يفعل المسلم إن أصابه هم أو بلاء؟
- يذكر الله ويسترجع
- يعلم أن الله قادر على دفع البلاء عنه
- يحتسب أجر الصبر والتسليم لله
- ينظر للحكمة من البلاء ويتعلم منه
- يتأسى بسير الأنبياء والصالحين
- يلجأ إلى الله بالدعاء
- يوقن أن رب الخير لا يأتي إلا بالخير
- يعلم أن مع العسر يسرا

الحث على الصبر على البلاء وإن طال زمنه
سمَّى الله تعالى غزوة "تبوك" التي استمرت شهرًا «ساعةَ العُسرة» كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 117]، تهوينًا لأمرها وتيسيرًا لهولها، وإخبارًا بعِظَمِ أجرها.
قال الإمام البقاعي في "نظم الدرر": [وسمَّاها "ساعة": تهوينًا لأوقات الكروب، وتشجيعًا على مواقعة المكاره؛ فإن أمدها يسير وأجرها عظيم خطير، فكانت حالهم باتباعه في هذه الغزوة أكمل من حالهم قبلها].
فلا ينبغي للإنسان أن ييأس من رحمة ربه، أو أن يضجر من الدعاء، أو يستطيل زمن البلاء؛ لأنه لا يعلم حكمة البلاء ولا يعي كنه أسراره، وأن تَفَقُّدَ الله تعالى للمكلفين بالمصائب والابتلاءات إنما هو رحمة بهم، وحفظًا لصحة عبوديتهم؛ قال الإمام ابن الجوزي في "صيد الخاطر": [فإياك إياك أن تستطيل زمان البلاء، وتضجر من كثرة الدعاء؛ فإنك مبتلى بالبلاء، متعبد بالصبر والدعاء، ولا تيأس من روح الله، وإن طال البلاء].
وقال الشيخ ابن القيم في "زاد المعاد": [لولا محن الدنيا ومصائبها: لأصاب العبد -من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب- ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا، فمن رحمة أرحم الراحمين: أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب، تكون حِمْيَةً له من هذه الأدواء، وحفظًا لصحة عبوديته، واستفراغًا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه، فسبحان مَن يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه].