هل يلتقي الحوثيون والانتقالي على استهداف السعودية؟.. 3 سيناريوهات أمام المملكة
دخل المشهد اليمني مرحلة جديدة من التعقيد، مع تصاعد الخطاب المعادي للسعودية من جانب جماعة الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي، في تطور يسلط الضوء على تشابك المصالح بين القوى الفاعلة على الأرض، رغم التباين الكبير في مرجعياتها السياسية والعسكرية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه جهود التسوية السياسية حالة من الجمود، بينما تتزايد الضغوط الإقليمية المرتبطة بالملف اليمني، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة هذا التزامن، وما إذا كان يعكس مجرد تقاطع في المصالح أم مؤشرات على إعادة رسم موازين النفوذ داخل اليمن.

تصعيد متزامن من الحوثيين و"الانتقالي" يضع السعودية أمام خيارات صعبة
وعادت جماعة الحوثيين خلال الأيام الأخيرة إلى توجيه تهديدات مباشرة للسعودية، عبر تصريحات سياسية وعسكرية أكدت فيها استعدادها للعودة إلى الخيار العسكري، مدعومة بمناورات ميدانية واستعراضات للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في محاولة لزيادة الضغط على الرياض وانتزاع مكاسب في ملفات التفاوض، وعلى رأسها صرف رواتب الموظفين والاعتراف بسلطة الجماعة كأمر واقع.
وفي المقابل، صعّد المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، من خطابه السياسي والإعلامي ضد السعودية، من خلال بيانات وفعاليات اتهم فيها الرياض بما وصفه بـ"الوصاية" على الجنوب، كما استثمر الأزمات الخدمية، خصوصاً أزمة الكهرباء، لتوجيه انتقادات للمملكة، في إطار الضغط لتحقيق مطالبه السياسية وتعزيز نفوذه في المحافظات الجنوبية.
ورغم الاختلاف الجذري بين المشروعين، إذ يحظى الحوثيون بدعم إيراني بينما يستند المجلس الانتقالي إلى دعم إماراتي، فإن الطرفين يلتقيان حالياً عند هدف واحد يتمثل في زيادة الضغوط على السعودية، وإن اختلفت الوسائل المستخدمة، حيث يعتمد الحوثيون على التهديد العسكري المباشر، بينما يركز المجلس الانتقالي على التصعيد السياسي والميداني.
ويرى مراقبون أن جماعة الحوثيين تسعى من خلال هذا التصعيد إلى دفع السعودية للتفاوض معها بصورة مباشرة بعيدا عن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بما يمنحها مكاسب تفاوضية أكبر قبل أي تسوية إقليمية محتملة، في حين يحاول المجلس الانتقالي فرض نفسه لاعباً أساسياً في أي ترتيبات سياسية مقبلة، بعد تراجع نفوذه نتيجة إعادة هيكلة القوات الجنوبية خلال الفترة الماضية.
ويثير تزامن هذا التصعيد تساؤلات بشأن دور الأطراف الإقليمية الداعمة للطرفين. فوفق تقديرات سياسية، تنظر إيران إلى استمرار التوتر في اليمن باعتباره ورقة ضغط ضمن ملفاتها الإقليمية والدولية، بينما يرى مراقبون أن الإمارات تحرص على الحفاظ على نفوذها في المحافظات الجنوبية عبر دعم أجندة المجلس الانتقالي، بما يمنع انفراد السعودية بإدارة المرحلة المقبلة في اليمن.
في المقابل، تستبعد آراء أخرى وجود تنسيق مباشر بين الحوثيين والمجلس الانتقالي، معتبرة أن التصعيد يعكس ظروفاً داخلية متشابهة يواجهها الطرفان، إذ يسعى المجلس الانتقالي إلى استعادة حضوره السياسي بعد تراجع نفوذه، بينما يحاول الحوثيون تحويل الأنظار عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة والمطالب الشعبية المتزايدة بتحسين الأوضاع المعيشية وصرف الرواتب.
وكانت قيادة القوات المشتركة للتحالف قد أكدت، في بيان صدر في الرابع من يوليو الجاري، أنها سترد "بكل حزم وقوة غير مسبوقة" على أي محاولة لاستهداف السعودية أو مواطنيها أو منشآتها، مؤكدة أن تهديدات الحوثيين تهدف إلى صرف الانتباه عن أزماتهم الداخلية والانتهاكات التي ارتكبوها بحق اليمنيين، ومحاولة تحويل حالة السخط الشعبي والقبلي داخل مناطق سيطرتهم إلى مواجهة مع دول الجوار.

ومع استمرار التصعيد، تبرز أمام السعودية ثلاثة سيناريوهات رئيسية، الأول يقوم على احتواء الأزمة عبر تقديم تنازلات سياسية أو مالية بما يضمن تهدئة مؤقتة، لكنه قد يمنح الحوثيين والمجلس الانتقالي مزيداً من النفوذ ويكرس سياسة الابتزاز السياسي.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في انهيار حالة التهدئة وتحول التصعيد إلى مواجهات عسكرية واسعة، وهو ما قد يؤدي إلى إنهاء الهدنة القائمة منذ عام 2022 ويدفع السعودية إلى العودة للمواجهة العسكرية المباشرة داخل اليمن.
في حين يتمثل السيناريو الثالث في نجاح تفاهمات إقليمية تقودها أطراف مؤثرة، إذا ما رأت كل من إيران والإمارات أن استمرار التصعيد يهدد مصالحهما، بما يفتح المجال أمام تهدئة تمهد لتسوية سياسية أوسع للأزمة اليمنية.
ورأى محللون إن تزامن التصعيد بين الحوثيين والمجلس الانتقالي يضيف مستوى جديدا من التعقيد إلى الأزمة اليمنية، موضحا أن خطورته لا تكمن في وجود تنسيق مباشر بين الطرفين، وإنما في تقاطع المصالح السياسية واستخدام أدوات ضغط مختلفة تربك جهود السلام وتزيد من صعوبة إدارة الأزمة.

وأضافوا أن التحدي الأكبر أمام السعودية يتمثل في احتواء التصعيد من دون المساس بمكانة الدولة اليمنية ومؤسساتها، داعياً إلى تعزيز التنسيق مع الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب توحيد مواقف القوى اليمنية المنضوية ضمن إطار الشرعية.
من جانبه، كما اعتبر آخرون أن التصعيد يعكس تقاطعا في مواقف الداعمين الإقليميين للطرفين، مشيرين إلى أن إيران تستخدم الحوثيين للضغط في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ضمن حساباتها مع الإدارة الأمريكية، بينما تسعى الإمارات، بحسب تقديره، إلى استعادة نفوذها في جنوب اليمن بعد تراجع حضورها خلال السنوات الأخيرة.
وأكدوا أن اليمن تحول إلى ساحة تتقاطع فيها أجندات إقليمية متعددة، محذرا من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع السعودية إلى مراجعة سياسة الاحتواء التي اتبعتها لسنوات، واللجوء إلى خيارات أكثر حزما إذا تعرض أمنها القومي لتهديدات مباشرة من الأراضي اليمنية.



