في سنوات ازدهار الإذاعة والتلفزيون المصري، لم يكن العمل الإعلامي يعتمد على الحدس أو الاجتهادات الفردية وحدها، بل كان يقوم على أسس علمية واضحة، تضع الجمهور في قلب العملية الإعلامية. فقد أدرك الرواد مبكرًا أن نجاح أي رسالة إعلامية لا يُقاس فقط بما يراه أو يقدره صانعوها، وإنما بمدى وصولها إلى الناس وتأثيرها فيهم وقدرتها على تلبية احتياجاتهم وتطلعاتهم.
ومن هنا نشأت أهمية ما عُرف ببحوث المشاهدين والمستمعين، التي أصبحت أحد الأعمدة الأساسية في منظومة العمل داخل مؤسسات الإذاعة والتلفزيون. لم تكن هذه البحوث مجرد نشاط أكاديمي أو إجراء شكلي، بل كانت أداة حقيقية لفهم الجمهور وتحليل اهتماماته وقياس اتجاهاته، ومن ثم توجيه المحتوى الإعلامي على أسس موضوعية وعلمية.
وقد تجلى هذا الاهتمام في عدد من الإصدارات المتخصصة التي كانت تصدر بصورة دورية، ومن أبرزها مجلة “ الفن الإذاعي “ ومجلة “ بحوث المشاهدين “. وكانت كل منهما تؤدي دورًا مختلفًا لكنه متكامل مع الآخر.
فمجلة “ الفن الإذاعي “اهتمت بالجوانب المهنية والفنية والتقنية للعمل الإذاعي. فقد نشرت الدراسات والأبحاث المتعلقة بتطوير الأداء الإذاعي، وتابعت أحدث ما يشهده العالم من تطورات في مجالات البث والترددات والموجات الإذاعية وتقنيات الإرسال والاستقبال. كما اهتمت بتحليل التجارب الإذاعية المختلفة، وعرض الرؤى العلمية التي تساعد العاملين في المجال على مواكبة التطور المستمر في صناعة الإعلام.
أما مجلة “ بحوث المشاهدين” فقد مثلت نافذة المؤسسة على جمهورها. فمن خلالها كانت تُنشر نتائج الدراسات الميدانية واستطلاعات الرأي وتحليلات نسب المشاهدة والاستماع، إلى جانب البحوث التي ترصد اهتمامات الجمهور وتفضيلاته. وكانت هذه الدراسات تكشف للقائمين على العمل الإعلامي ما الذي يجذب المشاهد أو المستمع، وما القضايا التي تشغله، وما نوعية البرامج التي تحقق أكبر قدر من التفاعل والتأثير.
ولم تكن نتائج هذه البحوث تُحفظ في الأدراج أو تُضاف إلى أرشيف المكتبات فحسب، بل كانت تُستخدم في عملية اتخاذ القرار. فعند تقييم برنامج أو مسلسل أو دورة برامجية كاملة، كانت المؤشرات المستخلصة من الدراسات الميدانية تشكل عنصرًا مهمًا في الحكم على النجاح أو الحاجة إلى التطوير. وبناءً على هذه النتائج كان يُعاد النظر في بعض البرامج، أو تُمنح أعمال أخرى فرصًا أكبر للاستمرار، أو يتم إيقاف ما لم يحقق أهدافه المرجوة.
لقد فهمت المؤسسات الإعلامية الكبرى آنذاك أن الجمهور ليس متلقيًا سلبيًا، بل شريك أساسي في العملية الإعلامية. ولذلك كان الاستماع إلى صوته وقياس ردود أفعاله جزءًا من التخطيط الإعلامي نفسه. فالإعلام الناجح لا يتحدث إلى الناس فقط، بل يصغي إليهم أيضًا.
واللافت أن هذا النهج سبق بكثير ما نعرفه اليوم من أدوات قياس التفاعل على المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي. فقبل ظهور مؤشرات الإعجاب والمشاركة والتعليقات بسنوات طويلة، كانت هناك فرق بحثية متخصصة تجمع البيانات وتحللها وتقدمها في صورة تقارير علمية تساعد على فهم الجمهور بصورة أكثر عمقًا ودقة.
واليوم، ومع التغيرات الهائلة التي يشهدها المشهد الإعلامي، تظل هذه التجربة جديرة بالتأمل والاستفادة. فالتكنولوجيا قد تتغير، ووسائل الاتصال قد تتبدل، لكن الحقيقة الأساسية تبقى كما هي: لا يمكن لأي وسيلة إعلامية أن تحافظ على تأثيرها واستمرارها إذا ابتعدت عن جمهورها أو تجاهلت احتياجاته وتوقعاته.
إن العودة إلى ثقافة البحث العلمي وقياس الرأي العام ليست رفاهية مهنية، بل ضرورة تفرضها طبيعة العمل الإعلامي نفسه. فكل محتوى يُنتج دون معرفة حقيقية بالجمهور المستهدف يظل معرضًا لفقدان التأثير مهما بلغت جودة إنتاجه أو حجم الإنفاق عليه.
لقد أدرك الرواد هذه الحقيقة مبكرًا، فجعلوا من بحوث المشاهدين والمستمعين جزءًا أصيلًا من منظومة العمل الإعلامي. ولهذا حققت الإذاعة والتلفزيون في مراحل كثيرة من تاريخهما حضورًا واسعًا وتأثيرًا ممتدًا في المجتمع.
ويبقى الدرس الأهم الذي يمكن أن نتعلمه من تلك التجربة أن الإعلام الناجح يبدأ دائمًا من الجمهور، ويعود إليه. فالجمهور اولا ثم يأتي بعد ذلك كل شيء