شاب ليبي يحكم عليه بالسجن 30 عام لتوزيعه الماء على قارب.. ما القصة
كان يمكن لعلاء فرج أن يكون اليوم اسماً مألوفاً في الملاعب الأوروبية، يركض خلف شغفه بكرة القدم التي برع فيها يافعاً في أزقة بنغازي، لكن، بدلاً من وميض فلاشات الكاميرات في الملاعب، واجه الشاب الليبي على مدار أحد عشر عاماً جدران سجن باليرمو المظلمة، محكوماً بقضاء ثلاثة عقود خلف القضبان، وكانت التهمة "توزيع الماء على مهاجرين" في قارب للموت، تحول في نظر القانون الإيطالي الصارم إلى جناية "اتجار بالبشر".
وكشفت صحيفة البائس الإسبانية، أنه يتنفس علاء (31 عاماً) الصعداء في حرية مؤقتة، بعد أن تحولت مأساته من مجرد رقم في سجلات الهجرة غير النظامية إلى "ظاهرة أدبية وحقوقية" هزت أركان العدالة الإيطالية، وفتحت ملف آلية قانونية مثيرة للجدل احتجزت آلاف المهاجرين الأبرياء.
أحلام مجهضة في عرض البحر

تبدأ فصول الحكاية في صيف 2015، حيث كانوا أربعة شبان من بنغازي، في سنتهم الجامعية الأولى ونجوم واعدون في نادي "الأهلي"، يقررون الهروب من ويلات الحرب الأهلية في ليبيا، وكأي عائلة من الطبقة المتوسطة – الأب مهندس والأم معلمة – غادروا في كتمان، حالهم كحال آلاف الحالمين بفرصة للحياة والدراسة في أوروبا.
لكن الرحلة البحرية تحولت إلى كابوس؛ فعند وصول القارب المتهالك إلى جزيرة لامبيدوزا في 15 أغسطس 2015، تكشفت مأساة العثور على 49 جثة لمهاجرين قضوا خنقاً في قاع السفينة.
سادت حالة من الصدمة الرأي العام الإيطالي، وبحثت السلطات عن "أكباش فداء" لتهدئة الشارع الغاضب.
دخل الشبان الأربعة في نفق مسار قضائي "كافكاوي" (عبثي ومعقد)، لم يكونوا يتقنون الإيطالية، ولم يستوعبوا طبيعة التهم، وبسبب إشارات عابرة من بعض الشهود تحت تأثير الصدمة بأن علاء "كان يوزع الماء أثناء الرحلة"، وبسبب وقوف الشبان الليبيين معاً على متن سفينة الإنقاذ لكونهم أبناء بلد واحد، اعتبرهم القضاء "طاقماً منظماً للمهربين"، ليصدر بحقهم حكم تاريخي وقاسٍ بالسجن 30 عاماً.
معجزة خلف القضبان

لم يستسلم علاء لليأس، وبدلاً من الحقد، اختار التعلم، حيث أتقن الإيطالية في محبسه، وبدأ يصوغ مأساته في رسائل وخواطر، وهذه الرسائل التقطتها "أليساندرا شيوربا"، أستاذة فلسفة القانون والناشطة الحقوقية التي زارته في السجن.
رأت أليساندرا في كلمات علاء صوتاً إنسانياً نادراً يفيض بالكرامة، فجمعت تلك الرسائل ليولد منها كتاب "لأنني كنت فتى" (Perché ero ragazzo)، الصادر عن دار نشر "سيليريو".
حققت الرواية المكتوبة بلغة عفوية غير منقحة نجاحاً ساحقاً، وفازت بجائزة "تيرزاني" الأدبية المرموقة.
تحول الكتاب إلى سلاح قانوني واجتماعي، وتبنت قضيته شخصيات بارزة في الكنيسة والحقوق الإيطالية، من بينهم رئيس أساقفة باليرمو والفقيه القانوني جوستافو زاجربيلسكي الذي كتب مستنكراً: "ما هي القانون بدون عدالة سوى قوة شرعية غاشمة؟".
ولم تقف العلاقة بين علاء وأليساندرا عند حدود الدفاع والتعاطف؛ بل تكللت قصة الحب الإنسانية التي ولدت خلف القضبان بزواجهما هذا العام، لتصبح أليساندرا شريكة حياته في معركة الحرية.
الترس الأخير والعدالة المنتظرة

تكمن المشكلة في المادة 12 من قانون الهجرة الإيطالي، وهي مادة جرى تشديدها عقب مآسي الغرق لإظهار حزم سياسي، لكنها في الواقع لا تطال الحيتان الكبيرة للتهريب المستقرين على الأراضي الليبية والتونسية، بل تسحق " الترس الأخير"؛ المهاجر الذي يمسك الدفة لإنقاذ نفسه ورفاقه.
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن هذا الفخ القانوني أوقع أكثر من 3300 مهاجر في إيطاليا خلال العقد الأخير.
بفضل الزخم الأدبي والحقوقي، أصدر الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا عفواً جزئياً بتخفيض عقوبة علاء 11 عاماً.
وفي مايو الماضي، نجحت محاميته المتطوعة تشينزيا بيكورارو في اقتناص قرار قضائي بمراجعة المحاكمة بعد العثور على شهود سوريين جدد، ليخرج علاء إلى الحرية المؤقتة بانتظار جلسة الحسم في أكتوبر المقبل.
يدرس علاء العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة باليرمو، وحصل على رخصة تدريب رياضي، ورغم أن حلم النجومية كلاعب كرة قدم قد ولى، إلا أن عينه لا تزال معلقة بالمستقبل: "أن أُدرب الأطفال سيكون أكبر رضا لي في الحياة".
ولا يزال يحتفظ بأمنية طفولية صغيرة: "عندما يسمح لي القانون بالسفر، أول مكان سأقصد مدرجاته هو سانتياجو برنابيو.. لمشاهدة ريال مدريد".