عاجل

من أعجب ما يبتلى به العقل الإنساني أن يقيس الغيب على الشهادة، وأن يطلب للحقائق العليا مقاييس من عالم الحس، ثم يحسب أنه قد أحاط بها علمًا، وما أحاط إلا بأطراف من ظلالها، ولا أمسك إلا بأذيال من صورها. ولقد كان هذا البلاء قديمًا قدم الإنسان نفسه؛ فما فتئ الناس يتساءلون عن الجنة التي وعد الله بها عباده المؤمنين: كيف هي؟ وما نعيمها؟ وما صورة الحياة فيها؟ ثم يندفع بعضهم بعد ذلك إلى محاكمة النصوص القرآنية بمقاييس بيئاتهم وأذواقهم وثقافاتهم، فيظنون أن ما ورد في القرآن من أوصاف النعيم إنما هو انعكاس لذوق أمة مخصوصة أو بيئة محدودة، وينسون أن القرآن كتاب الإنسانية كلها، وأن الذي أنزله هو رب الإنسانية كلها، وأن الذي خلق النفوس هو أعلم بما فُطرت عليه من الأشواق وما جُبلت عليه من الحنين.

وما أظن خطأً في فهم أوصاف الجنة أشد من أن تُقرأ قراءةً ماديةً جامدة، تُنتزع فيها الألفاظ من سياقها، وتُفصل فيها الحقائق عن مقاصدها، ويُغفل فيها الفرق الهائل بين عالم الفناء وعالم الخلود. فإن اللغة التي يتخاطب بها البشر إنما صُنعت للتعبير عن الأشياء التي تقع عليها الأبصار، أو تدركها الحواس، أو تجري بها التجارب، أما الجنة فإنها عالم آخر، لا يشبه عالمنا إلا بمقدار ما تسمح به اللغة من تقريب المعاني، ولهذا كان السلف يقولون: ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء.

ولو أن القرآن أراد أن يصف الجنة على حقيقتها لما وجدت اللغة البشرية من السعة ما يحمل ذلك الوصف، ولما وجدت العقول من الطاقة ما يستوعبه، ولكن رحمة الله اقتضت أن يخاطب عباده بما يعرفون، وأن يدلهم على ما لا يعرفون بما يعرفون، وأن يجعل من المحسوس سلَّمًا إلى المعقول، ومن المألوف جسرًا إلى المجهول.

ولهذا لم يكن ذكر الأنهار والثمار والقصور والخيام غايةً في ذاته، وإنما كان إشارات تهدي العقول إلى المعاني الكبرى الكامنة وراءها؛ فالنهر رمز للفيض الذي لا ينقطع، والثمرة رمز للذة التي لا يعقبها سآمة، والقصر رمز للعزة التي لا يشوبها خوف، والخيمة رمز للسكن الذي لا يكدّره اضطراب، وكل ذلك إنما هو تقريب للأفهام لا تحديد للحقائق.

ومن هنا يتبين فساد الظن القائل إن القرآن قد رسم صورة للجنة تنتمي إلى بيئة عربية خاصة، أو إلى ذوق جغرافي محدود؛ فإن الذي يتأمل آيات النعيم لا يجدها تخاطب العربي بما هو عربي، ولا الفارسي بما هو فارسي، ولا الشرقي بما هو شرقي، وإنما تخاطب الإنسان بما هو إنسان، وتنفذ إلى الطبقات العميقة من فطرته حيث تتوحد الرغبات الكبرى، وتلتقي الأشواق الأساسية، وتسقط الفوارق المصطنعة التي صنعتها البيئات والعادات والتقاليد.

فالناس وإن اختلفت ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم، فإنهم يشتركون في حب الجمال، ويتفقون في طلب السعادة، ويجتمعون على كراهية الألم والخوف والحزن، ويتطلعون جميعًا إلى حياة يسكن فيها القلق، ويزول منها النقص، وينقطع عنها الفقد. وهذه المعاني هي التي خاطبها القرآن في حديثه عن الجنة، فجاء خطابه عالميًّا في روحه، إنسانيًّا في مقصده، خالدًا خلود الفطرة التي يخاطبها.

ولذلك لم يقف القرآن عند حدود الأشكال والصور التي تختلف فيها الأذواق، بل ارتفع إلى المعاني التي تتفق عليها الأرواح. فإذا ذكر الأزواج المطهرة لم يشغل الناس بألوان البشرة وهيئات الوجوه ومقاييس الأجساد، وإنما وجه أنظارهم إلى الطهر الذي لا تشوبه شائبة، وإلى الصفاء الذي لا يكدره نقص، وإلى المودة التي لا يخالطها غش، وإلى الوفاء الذي لا يعقبه جفاء. وإذا ذكر الفاكهة والثمار لم يرد أن يحصر نعيم الجنة في أنواع معينة، وإنما أراد أن يفتح أمام الخيال الإنساني بابًا يدخل منه إلى عالم اللذة الكاملة، ثم أطلق القاعدة الجامعة التي تستوعب كل الأذواق وكل الرغبات فقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾.

وما أروع هذا التعبير القرآني، وما أوسع ما يتضمنه من المعاني! فإن الأذواق تختلف، والرغبات تتنوع، والميول تتباين، ولكن هذه الآية الكريمة جاءت كأنها ميثاق عام للبشرية كلها، تضمن لكل نفس مؤمنة أن تجد في الجنة أكمل صورة لما تحب، وأتم صورة لما تتمنى، وأجمل صورة لما كانت تتطلع إليه في دنياها ثم حالت بينها وبينه حدود الواقع وآفات النقص وأقدار الحياة.

على أن أعجب ما في التصور القرآني للنعيم أنه لا يجعل الغاية الكبرى في مطعم أو مشرب، ولا في منظر أو مسكن، ولا في لذة حسية مهما عظمت، وإنما يرفع الإنسان درجة بعد درجة حتى يبلغ به إلى أفق أعلى، تتضاءل عنده جميع اللذات، وهو أفق الرضا الإلهي والقرب من الله تعالى. فهناك، في ذلك المقام الذي تعجز الكلمات عن تصويره، يدرك المؤمن أن كل نعيم دونه تابع له، وأن كل لذة سواه فرع عنه، وأن قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ليس مجرد وصف لنعمة من النعم، بل هو إعلان عن الحقيقة الكبرى التي تنتهي إليها رحلة الإنسان كلها منذ أن خرج إلى هذه الدنيا باحثًا عن السعادة والكمال.

ذلك لأن الجنة في التصور القرآني ليست مجرد مكان للمتعة، بل هي الوطن الذي تعود فيه الروح إلى تمامها، والنفس إلى سكينتها، والقلب إلى غايته، والإنسان إلى كماله الذي افتقده في هذه الحياة. ومن هنا كان نعيمها أوسع من أن تحيط به ثقافة، وأرحب من أن يحتويه ذوق، وأعظم من أن تصفه لغة، لأنها ليست استجابة لرغبات أمة بعينها، وإنما هي الجواب الإلهي الكامل عن أشواق الإنسانية كلها.

وتقبى العبرة فصاحة في الألفاظ وسعة في المعنى :" جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا" [ مريم: 61 ]

تم نسخ الرابط