الدكتور حسن خليل: التطبيقات المرتبطة بـ «الإنسان البديل» تحتاج إلى ضوابط شرعية
أكد الدكتور حسن خليل، الأمين العام المساعد للثقافة بمجمع البحوث الإسلامية، أن مشروع "الإنسان البديل" يعد من أبرز النوازل العقدية التي فرضها التسارع غير المسبوق في التطور العلمي والتقني، مشددًا على أن الإسلام لا يعارض التقدم العلمي من حيث الأصل، وإنما يضع له الضوابط الشرعية التي تحفظ الفطرة الإنسانية والكرامة التي كرم الله بها الإنسان.

جاء ذلك خلال كلمة في ورشة «النوازل العقدية في الفكر المعاصر وموقف الإسلام منها»، بالتعاون بين دار الإفتاء المصرية ومركز ومسجد المجادلة بدولة قطر، لعدد من الباحثين المهتمين بالدراسات العقدية والفكرية بدار الإفتاء المصرية وأعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر.
مشروع الإنسان البديل
وأوضح الدكتور حسن خليل، أن مشروع "الإنسان البديل" يرتبط بتيارات عبر الإنسانية وما بعد الإنسانية، التي تدعو إلى تجاوز الحدود الطبيعية للإنسان وإعادة تشكيله بيولوجيًا وتقنيًا، مستفيدة من التطورات المتسارعة في علوم الوراثة والهندسة الجينية والذكاء الاصطناعي وتقنيات النانو وواجهات الدماغ والحاسوب، مؤكدًا أن بعض هذه الأطروحات لا تقف عند حدود تطوير الوسائل الطبية أو تحسين جودة الحياة، وإنما تمتد إلى إعادة تعريف الإنسان والطعن في ثبات طبيعته، والدعوة إلى دمجه بالآلة أو تعديل بنيته الوراثية أو استبدال بعض وظائفه الطبيعية ببدائل تقنية، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول الهوية الإنسانية والكرامة والفطرة والاستخلاف ومصير الأسرة والمجتمع.

وأشار إلى أن جذور هذه الأفكار تعود إلى النزعة الإنسانية التي نشأت في أوروبا خلال عصر النهضة، والتي جعلت الإنسان محور المعرفة والقيم وسعت إلى تحرير الفكر من هيمنة المؤسسات الدينية في السياق الأوروبي، مبينًا أنها أسهمت في إبراز قيمة الإنسان وحقوقه، إلا أن بعض اتجاهاتها المتأخرة انتهت إلى جعل العقل البشري المرجعية النهائية مع تراجع المرجعية الدينية في توجيه المعرفة والأخلاق.
فلسفات ما بعد الحداثة
وأضاف أن المادية العلمية اختزلت حقيقة الإنسان في العمليات البيولوجية والكيميائية والعصبية، وهو ما أدى إلى الاعتقاد بإمكان تفسير جميع خصائص الإنسان أو تعديلها تقنيًا، الأمر الذي مهد لفكرة "الإنسان البديل"، كما أسهمت فلسفات ما بعد الحداثة في التشكيك في المفاهيم الثابتة وإعادة النظر في مفهوم الهوية، حتى أصبح الإنسان - في بعض هذه الاتجاهات - كيانًا متغيرًا يمكن إعادة تشكيله بصورة مستمرة.
وبين الأمين العام المساعد للثقافة بمجمع البحوث الإسلامية أن العقيدة الإسلامية تنظر إلى الإنسان باعتباره مخلوقًا مكرمًا نفخ الله فيه من روحه، وحمله أمانة الاستخلاف، وربطت تكريمه بالالتزام بمنهج الله تعالى، ومن ثم فإن أي تصور يدعو إلى إعادة تشكيل الإنسان أو تجاوز فطرته يحتاج إلى دراسة نقدية في ضوء أصول العقيدة الإسلامية ومقاصد الشريعة.

وعرف الدكتور حسن خليل مصطلح "الإنسان البديل" بأنه الإنسان الذي يراد إعادة تشكيله أو تعزيز قدراته البيولوجية أو العقلية أو الجسدية بواسطة التقنيات الحديثة، بما يؤدي إلى تجاوز بعض حدوده الطبيعية أو إعادة تعريف خصائصه الأساسية، موضحًا أن ذلك يشمل الإنسان المعدل وراثيًا، والإنسان المعزز بالذكاء الاصطناعي، والإنسان الذي يعتمد على بدائل تقنية تؤثر في وظائفه أو هويته.
أبرز المرتكزات الفكرية
ولفت إلى أن من أبرز المرتكزات الفكرية لهذا المشروع إنكار ثبات الطبيعة الإنسانية، حيث يرى بعض منظريه أن الإنسان يمكن تطويره وتجاوزه باستمرار بواسطة التكنولوجيا، في مقابل الرؤية الإسلامية التي تقرر أن الإنسان مخلوق على فطرة مخصوصة، مع قبول التطوير المشروع الذي لا يغير حقيقة الإنسان ولا يفسد مقاصد الشريعة، مضيفًا أن التكنولوجيا في المنظور الإسلامي تعد وسيلة وليست غاية، وأن مشروعيتها تقاس بميزان المصالح والمفاسد ومدى موافقتها لمقاصد الشريعة، موضحًا أن من أبرز أدوات مشروع الإنسان البديل الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي وواجهات الدماغ والحاسوب والروبوتات الحيوية وتقنيات النانو.
وتناول فكرة السعي إلى تجاوز الشيخوخة والموت التي يتبناها بعض منظري عبر الإنسانية، موضحًا أن هذه التصورات لا تزال في معظمها فرضيات أو مشروعات بحثية، وأن الإسلام يقر بمشروعية التداوي وإطالة العمر الصحي، لكنه يؤكد أن الموت والأجل من السنن الإلهية التي لا يملك البشر تغييرها، مستعرضًا التطبيقات المعاصرة للهندسة الوراثية، موضحًا أنها تشمل العلاج الجيني لمعالجة الأمراض الوراثية أو الحد من آثارها، والتحسين الجيني لتعزيز بعض الصفات كالذكاء أو القوة أو مقاومة الشيخوخة، إضافة إلى التعديل الوراثي للأجنة، مؤكدًا أن الأخير يعد من أكثر التطبيقات حساسية لما قد يترتب عليه من آثار تمتد إلى الأجيال اللاحقة.
تقييم مشروع الإنسان البديل
وشدد على أن العقيدة الإسلامية تمثل الإطار المرجعي الذي يحدد حقيقة الإنسان ووظيفته وحدود تصرفه في نفسه وفي الكون، ولذلك فإن تقييم مشروع الإنسان البديل لا ينبغي أن يقتصر على آثاره التقنية أو الاجتماعية، وإنما يجب أن يكون في ضوء مفاهيم الفطرة والاستخلاف والكرامة الإنسانية والتكليف والسنن الإلهية، مؤكدًا أن العلم والتقنية نعمتان من الله ينبغي توظيفهما في عمارة الأرض وتحقيق مصالح الخلق، لكنهما لا يصلحان أن يكونا بديلًا عن الوحي أو معيارًا لإعادة صياغة الفطرة الإنسانية أو إلغاء حدود التكليف الشرعي، موضحًا أن الفقه الإسلامي يفرق بين العلاج المشروع الذي يرفع الضرر ويحقق المصلحة، وبين التعديلات التي تستهدف تغيير الطبيعة الإنسانية أو تؤدي إلى مفاسد مثل اختلاط الأنساب أو الإضرار بالكرامة الإنسانية، وأن الحكم الشرعي يختلف بحسب الغاية والوسيلة والآثار المترتبة، وليس كل تدخل جيني داخلًا في باب المنع.

واختتم الدكتور حسن خليل كلمته بالتأكيد على أن الإسلام يحث على طلب العلم والأخذ بالأسباب النافعة، إلا أن التقدم العلمي يجب أن يظل منضبطًا بمرجعية الوحي ومقاصد الشريعة وحفظ الفطرة والكرامة الإنسانية، مشيرًا إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التكنولوجيا، وإنما في الفلسفة التي توجه استخدامها والحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها الإنسان وهو يسعى إلى تطوير حياته.