الرئاسة الإيرانية: بزشكيان يعزي أمير قطر في وفاة والده الشيخ حمد بن خليفة
أعلنت الرئاسة الإيرانية، أن الرئيس مسعود بزشكيان قدم التعازي إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بوفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
وبرحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن عمر ناهز 74 عامًا، تُطوى صفحة الرجل الذي ارتبط اسمه بأكبر تحول شهدته قطر في تاريخها الحديث، بعدما قاد مشروعًا نقل الدولة الخليجية من لاعب إقليمي محدود الحضور إلى قوة تمتلك نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي.
وصل الشيخ حمد إلى الحكم عام 1995، وكانت قطر آنذاك دولة صغيرة تعتمد بصورة رئيسية على مواردها الطبيعية، قبل أن يسلم السلطة إلى نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في يونيو 2013، تاركا وراءه دولة أصبحت لاعبًا رئيسيًا في أسواق الطاقة، وحاضرة في عواصم القرار، والإعلام العالمي، والتعليم الدولي، والطيران، والاستثمارات، والرياضة.

الغاز.. نقطة الانطلاق
اعتمد الشيخ حمد بن خليفة على ثروة الغاز باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء الدولة الحديثة، وسرّع تطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال، وربط الإنتاج القطري بعقود طويلة الأجل مع الأسواق العالمية.
وفي عام 1997، صدرت قطر أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال إلى اليابان، قبل أن ترتفع الطاقة الإنتاجية إلى 77 مليون طن سنويًا بحلول عام 2010، لتصبح أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم آنذاك.

ولم تقتصر الاستفادة على الإيرادات، بل وظفت الدوحة عائدات الطاقة في تنفيذ مشاريع بنية تحتية ضخمة، كما أسست عام 2005 جهاز قطر للاستثمار لإدارة الفوائض المالية وتنويع الاستثمارات عالميًا، ليتحول الصندوق لاحقًا إلى أحد أبرز الصناديق السيادية في العالم، مع استثمارات واسعة في العقارات والمصارف والتكنولوجيا والضيافة والبنية التحتية.
«الجزيرة».. القوة الناعمة
بعد عام واحد فقط من توليه الحكم، أطلق الشيخ حمد قناة الجزيرة عام 1996، في خطوة اعتُبرت من أكثر قراراته تأثيرًا، وقدمت القناة نموذجًا إعلاميًا مختلفًا عن السائد في العالم العربي، مستضيفة الحكومات والمعارضات والتيارات السياسية المختلفة، ما منحها حضورًا واسعًا، وأثار في الوقت ذاته أزمات متكررة مع عدد من الحكومات العربية.
وبفضل الجزيرة، انتقل اسم قطر من الارتباط بقطاع الطاقة ومجلس التعاون الخليجي إلى مركز المشهد الإعلامي العربي، لتصبح القناة إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدولة.

سياسة خارجية تتجاوز حجم الدولة
خلال عهده، انتهجت قطر سياسة خارجية أكثر نشاطًا، تولى تنفيذها وزير الخارجية آنذاك الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، الذي قاد شبكة واسعة من العلاقات والوساطات الإقليمية.
وعززت الدوحة شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة باستضافة قاعدة العديد الجوية، بالتوازي مع الحفاظ على علاقات عملية مع إيران، كما نسجت علاقات مع حكومات وحركات سياسية متباينة، ما منحها قدرة على لعب أدوار الوساطة في عدد من الملفات الإقليمية.
وشاركت قطر في وساطات شملت لبنان والسودان وفلسطين واليمن، واستضافت مفاوضات ومؤتمرات سياسية، لتتحول الوساطة إلى إحدى أبرز سمات السياسة الخارجية القطرية وأداة لتعزيز مكانتها الدولية.
ورغم الجدل الذي رافق توسع الدور القطري، خصوصًا خلال مرحلة الانتفاضات العربية، فإن الدوحة انتقلت خلال تلك الفترة من موقع المتابع إلى موقع الفاعل المؤثر في العديد من ملفات المنطقة.
التعليم.. استثمار في المستقبل
شكل التعليم أحد أهم محاور مشروع الشيخ حمد، وقادت هذا الملف الشيخة موزا بنت ناصر، التي أشرفت على تأسيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع عام 1995.
وتوسعت المؤسسة لاحقًا لتضم جامعات عالمية ومراكز أبحاث ومؤسسات تعليمية وثقافية وصحية، فيما أصبحت المدينة التعليمية واحدة من أبرز المشاريع التعليمية في المنطقة، باستقطابها فروعًا لجامعات دولية داخل الدوحة، في إطار استراتيجية تستهدف بناء اقتصاد قائم على المعرفة.
الطيران والاستثمار والرياضة
إلى جانب التعليم، شهد قطاع الطيران نقلة كبيرة مع إعادة إطلاق الخطوط الجوية القطرية بهوية جديدة عام 1997، لتتحول خلال سنوات إلى واحدة من أبرز شركات الطيران في العالم، وتربط الدوحة بعشرات الوجهات الدولية.
وفي المجال الرياضي، مثّل فوز قطر بحق استضافة كأس العالم 2022 عام 2010 محطة تاريخية، إذ وُلد المشروع وحملته الدولية خلال عهد الشيخ حمد، بينما استضافت البطولة رسميًا في عهد نجله الشيخ تميم.
وشكل تنظيم المونديال ذروة استراتيجية اعتمدت على استخدام الرياضة والأحداث العالمية لتعزيز صورة قطر وترسيخ حضورها على الساحة الدولية.
انتقال منظم للسلطة
في يونيو 2013، أعلن الشيخ حمد بن خليفة تنازله عن الحكم لنجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة نادرة بالمنطقة اتسمت بالانتقال المنظم للسلطة، مع استمرار السياسات الاقتصادية والتنموية والخارجية التي أرساها خلال نحو 18 عامًا في الحكم.
وبرحيل الشيخ حمد بن خليفة، تنتهي مسيرة الحاكم الذي ارتبط اسمه بإعادة تشكيل مكانة قطر عالميًا، بعدما نجح في تحويل ثروة الغاز إلى مشروع دولة متكامل، وجعل من الإعلام والاستثمار والدبلوماسية والتعليم والرياضة أدوات عززت حضور الدوحة على الساحة الدولية، لترسم قطر خلال عهده ملامح الدور الذي لا تزال تؤديه حتى اليوم.



