عاجل

أقوم بزيارة إلى الولايات المتحدة حالياً، وقد لاحظت تغير نمط التفكير بشكل كبير تجاه القضية الفلسطينية؛ فقد زرت أمريكا منذ التسعينات وحتى الآن مرات عديدة بحكم عملي كمحررة شؤون رئاسة ومحررة دبلوماسية أقوم بتغطية نشاط الرئاسة ووزارة الخارجية والسفارات، ولكن هذه الزيارة مختلفة عن كل الزيارات السابقة، فالمزاج العام السياسي والشعبي تغير بشكل كبير.
ولعل ما حدث في مباراة مصر والأرجنتين من ظلم تحكيمي أكبر دليل على ذلك، فالكثير من الأمريكيين على وسائل التواصل الاجتماعي -من تيك توك إلى فيسبوك وغيرهم- أظهروا تعاطفاً كبيراً مع مصر، سواء في التعليقات على المنشورات أو ما ينشرونه هم من منشورات. ولكن الأهم أن كثيراً من الأمريكيين أصبحوا ينتقدون بشكل واضح وصريح الإدارة الأمريكية لانحيازها لإسرائيل، وتقديم الأسلحة من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لإسرائيل لقتل المزيد من الفلسطينيين، ويزداد هذا التعاطف الأمريكي الشعبي -خاصة بين الشباب- مع تزايد معاناة الفلسطينيين.
ولكن الأخطر هو التعاطف لدى المؤثرين على صناع القرار في أروقة السياسة، وكذلك لدى العديد من الفنانين في هوليوود؛ ففي الماضي كان أي تصريح من أي سياسي أو فنان يحمل شبهة التعاطف مع الفلسطينيين وضد السياسات الإسرائيلية كفيلاً بإنهاء مستقبل هذا السياسي أو الفنان، ولكن الآن الأمر أصبح مختلفاً تماماً، والجميع لم يعد يخشى المجاهرة بمواقفه وانتقاد حكومة نتنياهو، ولعل نجاح زهران ممداني كعمدة لمدينة نيويورك أكبر دليل على ذلك.
وقد ذكر رام إيمانويل -وهو صهيوني وعمل مع إدارة أوباما- في مقابلة صحفية في القناة 12 الإسرائيلية بوضوح أن: "ممداني محبوب من يهود أمريكا أكثر من نتنياهو"، محذراً من أن إسرائيل أصبح لديها مشكلة في أمريكا مع جيل الشباب، مشيراً إلى أن "إسرائيل خسرت أمريكا وأوروبا وكسبت صومالي لاند".
ولعل المغنية زارا أيضاً أكبر دليل على مدى تغير المزاج الشعبي؛ فقد دافعت المغنية السويدية زارا لارسون علناً عن فلسطين منذ حوالي عشرة أعوام، الأمر الذي كلفها خسائر مهنية كبيرة، بما في ذلك إلغاء حفلات وسحب جوائز، كما انسحبت من صفقة ضخمة متعلقة بمسابقة "يوروفيجن" بسبب الوضع في غزة، حيث رفضت عرضاً بملايين الدولارات للمشاركة في مسابقة الأغنية الأوروبية لعام 2024 بسبب تواجد إسرائيل، وصرحت برفضها تمويل الإبادة أو دعم قتلة الأطفال في غزة، وشددت على أن الصمت في وجه المعاناة الإنسانية يطرح تساؤلات كبرى، وأنها مستعدة لتحمل عواقب مواقفها الأخلاقية.
وبرغم أنه جرت محاولات لإنهاء مستقبلها الفني لسنوات وإلغاء أغانيها على يوتيوب، استطاعت المطربة الشابة زارا العودة مرة أخرى بقوة منذ عامين فقط، وبعد تغير المناخ العام لتسطع موهبتها من جديد، وهي مجرد نموذج؛ حيث تعرض العديد من الفنانين العالميين والمحليين للإقصاء، وإنهاء عقود العمل، وحذف الأعمال الفنية لمجرد إعلان تضامنهم مع الشعب الفلسطيني أو انتقادهم للانتهاكات الإسرائيلية في غزة في الماضي، ومنهم الممثلة المعروفة سوزان ساراندون؛ حيث أنهت وكالة المواهب [يو تي إيه] تعاقدها مع الممثلة الحائزة على جائزة الأوسكار، وذلك بعد مشاركتها في مظاهرات داعمة لفلسطين في نيويورك، وإلقائها لخطابات تشجع على التضامن مع الفلسطينيين. وقد اشتكت الممثلة الموهوبة أنها اضطرت للعمل في أفلام بميزانية ضعيفة في أوروبا لأنها لم تجد أي عمل في هوليوود التي يسيطر عليها اللوبي الصهيوني، ولكن بدأ الإعلام مؤخراً يتحدث عن الظلم الذي تعرضت له، بجانب الممثلة المكسيكية ميليسا باريرا والتي تم استبعادها من بطولة سلسلة أفلام الرعب الشهيرة [سكريم 7]، وذلك على خلفية نشرها لمنشورات عبر حسابها على منصة إنستغرام تصف فيها الوضع في غزة بأنه "إبادة جماعية وتطهير عرقي".
وفي المقابل، ذكرت الممثلة اليهودية الأمريكية هانا إينبيندر -والتي لمع نجمها مؤخراً في مسلسل هاكس الذي فاز بجوائز جرامي عديدة منذ أيام- إن عدم رفع الصوت من أجل فلسطين يمثل لها أمراً أخطر من فقدان مسيرتها المهنية. وأكدت بوضوح خلال مشاركتها في الدورة الـ79 من مهرجان كان السينمائي في مايو الماضي على أنها لن تتراجع عن التحرك دفاعاً عن القيم التي تؤمن بها، وقالت: "أسير على خطى الفلسطينيين الذين اضطروا دائماً إلى الدفاع عن أنفسهم".
وأكدت أنها لا تخشى التعرض للمقاطعة في الوسط الفني أو فقدان عملها بسبب دعمها لفلسطين. وفي حديثها لفنانين فقدوا أعمالهم سابقاً بسبب دعمهم لفلسطين، قالت إينبيندر: "أعتقد أن ما يعرفونه هو ما أعرفه أنا أيضاً: ثمن الصمت أعلى من ثمن فقدان المهنة". وأضافت: "لا أعتقد أن مسيرتي المهنية المتواضعة يمكن مقارنتها حتى بحياة إنسان واحد"، مشيرة إلى أن الحديث عن فلسطين يُعد مسؤولية.
وكانت إينبيندر قد فازت في سبتمبر الماضي بجائزة أفضل ممثلة مساعدة في مسلسل كوميدي عن دورها في "هاكس" ضمن جوائز "برايم تايم إيمي" التي تُعرف بـ"أوسكار التلفزيون"، وهتفت إينبيندر في كلمتها خلال حفل تسلم الجائزة بـ"الحرية لفلسطين". كل ذلك يدل على مدى قوة الموجة الحالية من التعاطف مع الفلسطينيين داخل أروقة هوليوود، وهو أمر كان بمثابة حلم منذ ثلاث سنوات فقط.
وقد نشر مركز بيو للإحصاء في الولايات المتحدة نتائج مسح جديد عن رؤية الأمريكيين لإسرائيل حكومة وشعباً، وللفلسطينيين شعباً وممثلين سياسيين؛ حيث أكدت النتائج تنامي نسبة من يحملون آراء سلبية تجاه الشعب الإسرائيلي، حيث ارتفعت النسبة من 28٪ سنة 2019 إلى 42٪، في حين تراجعت نسبة من يحملون آراء إيجابية من 64٪ إلى 52٪، والمؤشر أسوأ طبعاً في حالة الحكومة الإسرائيلية بنسبة آراء سلبية تصل إلى 62٪.
في المقابل، نسبة من يحملون آراء سلبية تجاه الشعب الفلسطيني تراجعت بنقطة واحدة من 45 إلى 44، وزادت نسبة الآراء الإيجابية من 46٪ إلى 50٪. وبالتالي فإن الكثيرين داخل أمريكا -خاصة في القواعد الليبرالية التي أصبحت أكثر يساراً- أصبحوا يرون الاحتلال الإسرائيلي باعتباره أكثر بشاعة، وأن الفلسطينيين ضحايا يستحقون مزيداً من الإنصاف.
وأيضاً كشف استطلاع جالوب -ولأول مرة منذ أكثر من عقدين- عن تعاطف الأمريكيين مع الفلسطينيين بنسبة (41%) مقارنة بـ (36%) للإسرائيليين؛ حيث أظهر الاستطلاع انخفاضاً حاداً في تفضيل الإسرائيليين الذي كان معتاداً في عقود سابقة، وساهم المستقلون بتوجيه هذا التحول نحو الفلسطينيين. كما زادت الفجوة بين الحزبين، حيث يتعاطف نحو (65%) من الديمقراطيين مع الفلسطينيين، بينما يستمر (70%) من الجمهوريين في التعاطف مع الإسرائيليين، في حين يميل الشباب الأمريكي (أقل من 30 عاماً) بشكل ملحوظ نحو دعم الفلسطينيين؛ حيث أبدى (58%) من هذه الفئة نظرة إيجابية تجاه الفلسطينيين، مقارنة بـ (32%) فقط ينظرون بإيجابية للإسرائيليين وفقاً لـ مركز بيو.
علاوة على ما ذُكر أعلاه، يُظهر الاستطلاع صورة قاتمة لموقف الأمريكيين من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: إذ صرّح 59 بالمائة منهم بأنّهم لا يثقون به، مقابل 27 بالمائة ممن يثقون به. وأظهر استطلاع رأي للناخبين اليهود في الولايات المتحدة كشف أنّ نسبة تأييد نتنياهو قد بلغت أدنى مستوياتها منذ عام 2009، حيث أعرب 67 بالمائة من المشاركين عن آراء سلبية تجاهه، كما أبدى مواطنون في دول أوروبيّة مواقف سلبية في الغالب، إذ قال ما لا يقل عن نصف البالغين في دول مثل إيطاليا وإسبانيا وهولندا إنّ رأيهم في إسرائيل سلبي للغاية.
كل ذلك يؤكد أنه من المهم البناء على تغير المزاج الشعبي والسياسي داخل أمريكا، ومحاولة إظهار الحقائق بشكل معتدل بالنسبة لحجم الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيين من خلال حملات علاقات عامة، وهناك صحفيين وشركات علاقات عامة أمريكية وعربية داخل أمريكا يمكنها العمل على ذلك؛ نظراً لأن إسرائيل واللوبي الصهيوني حالياً يصرف المليارات من الدولارات لإعادة غسيل عقول الشعب الأمريكي، وإظهار إسرائيل كعنصر مظلوم معتدى عليه، كل ما يريده هو الدفاع عن نفسه ووجوده، وأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة محاطة بمشاعر الكره لليهود والأنظمة الديكتاتورية، وهي الصورة النمطية التي دأبت أبواق الصهيونية في ترديدها داخل المجتمع الأمريكي الذي بدأ يتأثر ويتغير بسبب الأوضاع الاقتصادية في الداخل الأمريكي، ويسأل نفسه: لماذا ندفع ضرائب عالية لتذهب إلى إسرائيل في صورة أسلحة نقتل بها مزيداً من الفلسطينيين المدنيين والأطفال والنساء وتمارس الإبادة الجماعية؟ خاصة وأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد زادت من تلك التساؤلات.
نحتاج للتحرك لمزيد من كسب الداخل الأمريكي حتى لا تضيع هذه الفرصة الثمينة.

تم نسخ الرابط