لم يعد مفهوم حقوق الإنسان مجرد نصوص جامدة نقرأها في الدستور أو نسمع عنها في المؤتمرات؛ بل هو تفاصيل حياتنا اليومية، وأولها الطريقة التي نُعامل بها في أماكن عملنا. فالعمل ليس مجرد وسيلة لجلب المال، بل هو الأداة الأساسية التي تحفظ لـ أي إنسان كرامته وقيمته وسط مجتمعه. والدستور المصري عندما تحدث عن العمل، لم يره مجرد وظيفة، بل اعتبره حقاً وواجباً، وألزم الدولة بضمان شروط عادلة للجميع دون تفرقة.
وإذا نظرنا إلى واقع العمال في مصر مؤخراً، سنجد أن هناك محاولات حقيقية لتغيير الصورة التقليدية. القوانين الجديدة بدأت تنحاز إلى فكرة الأمان الوظيفي، فلم يعد من السهل فصل عامل بشكل تعسفي دون محاسبة، وأصبح هناك إلزام بوجود عقود مكتوبة تضمن لكل طرف حقه.
نرى أيضاً خطوات ملموسة في تطبيق الحد الأدنى للأجور لمحاولة ملاحقة الغلاء، إلى جانب التوسع في التأمين الصحي وتجريم مظاهر التنمر والتحرش في بيئة العمل، وهي خطوات تعكس رغبة حقيقية في بناء بيئة عمل تحترم آدمية الإنسان.
لكن، في المقابل، هناك مساحة ظلت لسنوات طويلة منسية وخارج الحسابات، وهي المساحة التي تخص عاملات المنازل. لسبب ما، اعتبرت القوانين السابقة أن البيوت لها حرمة خاصة تمنع تفتيشها أو التدخل فيها، ونتيجة لذلك تم استبعاد عاملات المنازل تماماً من قانون العمل. هذا الاستبعاد جعل هذه الفئة، التي تضم مئات الآلاف من النساء والفتيات، تعمل في ظل ظروف قاسية جداً؛ بلا عقود تثبت حقوقهن، وبلا ساعات عمل محددة، وبدون أي غطاء تأميني أو صحي يحميهن إذا أصبن بمرض أو تقدم بهن العمر. لقد أصبحت العاملة هنا تحت رحمة "ضمير" صاحب البيت، إن كان طيباً عاشت مستورة، وإن كان قاسياً ضاع حقها.
هذا التهميش التاريخي بدأ يطرق أبواب النقاش الجاد مؤخراً. فالدولة اليوم، ومن خلال استراتيجيات حقوق الإنسان، بدأت تدرك أن الكرامة لا يمكن تجزئتها، وأن من يعمل داخل المنزل يستحق الحماية تماماً كمن يعمل في المصنع أو الشركة. هناك تحركات واعدة لصياغة تشريعات تلزم بوجود عقود رسمية تحدد الأجور وساعات الراحة، وتنظم عمل مكاتب التشغيل التي كانت في كثير من الأحيان تستغل هؤلاء السيدات.
في النهاية، إنصاف عاملات المنازل وتقنين أوضاعهن ليس مجرد مطلب قانوني جاف، بل هو اختبار حقيقي لوعينا الإنساني. فالقانون لا يكتمل إلا عندما يحمي الفئات الأكثر ضعفاً وتهميشاً، والاعتراف بحقوق من يعتنون ببيوتنا وبأطفالنا هو الخطوة الأولى نحو مجتمع عادل يعي تماماً أن كرامة الإنسان خط أحمر، أياً كان عمله وأياً كان المكان الذي يقف فيه.