عاجل

لم يكن الإنجاز الذي حققه منتخب مصر في رحلته إلى كأس العالم مجرد انتصار في بطولة لكرة القدم، بل كان استعادة لشيء افتقده المصريون لسنوات... الإيمان بأن النجاح لا تصنعه الموهبة وحدها، وإنما تصنعه المنظومة.

لسنوات طويلة، امتلكت مصر لاعبين كبارًا، بعضهم من أفضل لاعبي العالم، لكن النتائج لم تكن دائمًا على قدر الإمكانات. كان ينقصنا شيء أهم من المهارة "الانضباط، والالتزام، ووحدة الهدف".

هذه المرة، بدا واضحًا أن هناك فلسفة مختلفة.

الكابتن حسام حسن لم يأتِ بأفكار كروية معقدة بقدر ما أعاد بناء أبسط قواعد النجاح. استدعى الروح المصرية الأصيلة ،   خلق هدف واحد مشترك لخصته الجملة السحرية التي رددها الجميع " عايزين نفرح المصريين "روح اللاعب الذي يقاتل لأن اسم مصر على صدره، قبل أن يكون اسمه على ظهر القميص. أعاد الاعتبار لقيم ربما بدت قديمة، لكنها لا تزال تصنع البطولات: الالتزام، والاجتهاد، واحترام القرار، والعمل الجماعي.

داخل المعسكر، لم يكن هناك مجال لتشتيت التركيز. لم تتحول أيام البطولة إلى حفلات أو لقاءات إعلامية أو ظهور مستمر على منصات التواصل. اختفت مظاهر الانفلات التي كثيرًا ما استنزفت المنتخبات، وحل محلها نظام يعرف فيه كل فرد دوره، ويلتزم به.

وأهم ما نجح فيه المدير الفني أنه أعاد تعريف القيادة.

في كرة القدم الحديثة، يستمع المدرب إلى خبرات لاعبيه، خاصة المحترفين أصحاب التجارب الكبرى، لكنه في النهاية يظل صاحب القرار الفني. هذه المعادلة نجح حسام حسن في تحقيقها واولها قاد حماسه وام يجعل حماسه يقوده .. لأول مرة نراه يستمع، ويتشاور ، ثم يقرر. فلم تعد هناك مراكز قوى داخل المنتخب، ولا تعدد في مصادر القرار.

وهنا برز الدور الحقيقي لنجم بحجم 
محمد صلاح.

ربما يكون صلاح هو أكثر لاعب مصري حقق مجدًا فرديًا في تاريخ اللعبة، لكن البطولة قدمت صورة أخرى للنجم الكبير. ."كابتن مصر "
لم يكن قائدًا بالصوت المرتفع، ولا بالسعي وراء الأضواء، بل بالقدوة.
احترم المدير الفني، ولم يتجاوز صلاحياته، وكان حضوره بجواره داعمًا لا منافسًا. ينصح حين يُطلب رأيه، ويهدئ الأجواء عند الحاجة، ويحتوي اللاعبين الأصغر سنًا باعتباره الأخ الأكبر وقائد المجموعة.

ومن يبحث عن الدرس الحقيقي في تجربة محمد صلاح، فلا يتوقف عند الشهرة أو العقود أو الجوائز، بل عند الالتزام. عند اللاعب الذي يتدرب بالجدية نفسها بعد كل ما حققه، ويضع مصلحة الفريق قبل أي اعتبار شخصي، ويساهم في تطوير بيئة العمل نفسها، من خلال دعمه توفير أجهزة تدريب حديثة للمنتخب، إيمانًا بأن الاستثمار في المنظومة أهم من الاستثمار في الصورة.

كما أن ما يلفت الانتباه هو غياب الأنانية التي طالما عانت منها فرق كثيرة. الجميع كان يبحث عن التمريرة الأفضل، لا اللقطة الأفضل. وإذا وُجد اختلاف، بقي داخل الجدران المغلقة، ولم يتحول إلى مادة للإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي.

ولم يكن النجاح وليد جهود اللاعبين والجهاز الفني فقط، بل جاء نتيجة إيمان متزايد بالعلم والتخصص.  الاستعانة بفريق متكامل يضم متخصصين في الأحمال، والإعداد النفسي، وتحليل الأداء، وهي عناصر أصبحت جزءًا أساسيًا من كرة القدم الحديثة. وقد بدا أثر هذا العمل واضحًا في التفاصيل الصغيرة التي صنعت الفارق في اللحظات الحاسمة " نتذكر صورة محلل الآداء قبل ركلات الترجيح في مباراة استراليا.

وفي المقابل، كتب المصريون في  الخارج خاصة في الولايات المتحدة وكندا قصة موازية لا تقل أهمية. لم يسافروا فقط لمشاهدة مباريات، بل حملوا وطنهم معهم. قطعوا آلاف الكيلومترات، ورافقوا المنتخب من الفندق إلى التدريب، ومن التدريب إلى الملعب، حتى شعر اللاعبون أن مصر كلها جاءت لتقف خلفهم.

كانت المدرجات تهتز بالأعلام والهتافات والأغاني الوطنية، بينما اختفت، ولو مؤقتًا، كل الانقسامات التي أرهقت المجتمع لسنوات. لم يعد هناك انتماء لنادٍ أو خلاف على لاعب، بل انتماء لعلم واحد.

وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية لما حدث وحفزتني لتسجيل رأيي في مقال ،
فالمنتخب لم يفز بمباريات فقط، بل نجح في كسر حاجز نفسي تراكم عبر سنوات من الإحباط والاستقطاب والتعصب. أعاد للمصريين شعورًا افتقدوه طويلًا ، أن النجاح ممكن عندما يعرف كل فرد مكانه، ويحترم دوره، ويعمل بإخلاص داخل منظومة واحدة.

لهذا، فإن الدرس الذي يقدمه منتخب مصر يتجاوز كرة القدم. إنه درس في الإدارة، والقيادة، والعمل المؤسسي. فالنجاحات الكبرى لا تصنعها النجوم منفردة، وإنما تصنعها فرق تؤمن بروح الفريق"الكل من أجل الواحد... والواحد من أجل الجميع".

عودة منتخب مصر  كانت  تحتاج نفس المستوى من التنظيم المحترف المتخصص لانها استقبال حلم أكثر من فريق كرة قدم..نحتاج صورة احتفالية شعبية   لعودة مشروع وطني التف حوله المصريون، استعدنا معه شيئًا أثمن من الفوز... استعدنا الروح..

تم نسخ الرابط