عاجل

ديون وضغوط وانتهاكات.. الوجه الآخر لشركات التمويل الاستهلاكي (تحقيق)

أسرة متعثرة -  مولدة
أسرة متعثرة - مولدة بالذكاء الاصطناعي

لم يعد التمويل الاستهلاكي مجرد وسيلة لشراء احتياجات المواطنين بالتقسيط، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، مع التوسع الكبير في نشاط شركات التمويل وزيادة أعداد العملاء إلى ملايين المواطنين، في وقت تتزايد فيه الشكاوى من التعثر في السداد، وأساليب التحصيل، وتعقيد العقود، وارتفاع تكلفة التمويل.

شركات التمويل الاستهلاكي

وفي هذا التحقيق، تستعرض "نيوز رووم" آراء عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وخبراء الاقتصاد والقطاع المصرفي، إلى جانب شهادات من داخل شركات التمويل الاستهلاكي، لرصد واقع السوق، ومزاياه، والتحديات التي يواجهها، والمطالب المطروحة لإصلاح المنظومة.

شهادة من داخل إحدى شركات التمويل.. "ثلثا المشروعات كانت وهمية"

حيث كشف موظف سابق بإحدى شركات التمويل متناهي الصغر بمحافظة سوهاج، عن تفاصيل آليات العمل داخل الشركة، مؤكدًا أن التركيز كان ينصب على استهداف المواطنين غير القادرين على القراءة والكتابة، موضحًا أن بعض العملاء كانوا يوقعون على المستندات دون معرفة تفاصيلها، وأن الشركة كانت تُدرج في العديد من الحالات مشروعات غير حقيقية ضمن أوراق القرض، مثل تربية الدواجن أو المخابز أو مخازن الحبوب، رغم عدم وجود تلك الأنشطة على أرض الواقع، قائلًا إن "ثلثي المشروعات كانت وهمية".

الفائدة تُحدد إلكترونيًا

وأوضح الموظف السابق أن قيمة الفائدة والأقساط لم يكن الموظفون يحسبونها بأنفسهم، وإنما تُحدد من خلال برنامج على جهاز "التابلت"، حيث يتم إدخال قيمة التمويل وعدد الأشهر، ليقوم النظام بحساب قيمة الأقساط والفائدة، وأن قيمة الفائدة كانت تختلف من وقت لآخر وفقًا لما يظهره النظام الإلكتروني، موضحًا أن الموظف لم يكن يتدخل في طريقة احتسابها.

شركات التمويل الاستهلاكي
شركات التمويل الاستهلاكي

"التارجت".. سبعة قروض شهريًا

وأكد أن لكل موظف هدفًا شهريًا يتمثل في إصدار سبعة قروض على الأقل للحصول على الحوافز، لافتًا إلى أن الحد الأدنى لقيمة القرض كان 20 ألف جنيه، بينما كان بإمكان الموظف إصدار عدد أكبر من القروض إذا تمكن من جذب مزيد من العملاء.

وأوضح أن المستندات المطلوبة للحصول على القرض كانت تقتصر على إيصال كهرباء، والبطاقة الشخصية للعميل، إضافة إلى بطاقة الضامن، مشيرًا إلى أن العميل كان يستطيع الحصول على تمويل من أكثر من شركة.

ضغوط على المتعثرين

وقال الموظف السابق إن الشركة كانت تبدأ في ممارسة ضغوط متكررة على العميل المتعثر في السداد قبل الوصول إلى مرحلة اتخاذ الإجراءات القانونية، موضحًا أن فرقًا من العاملين كانت تتوجه إلى منزل العميل بصورة متكررة للمطالبة بالسداد.

وأضاف أن الموظف الذي يتعثر عملاؤه في السداد كان يتعرض للمساءلة داخل الشركة، وقد يضطر في بعض الحالات إلى سداد جزء من قيمة القسط من ماله الخاص لتجنب احتساب العميل ضمن حالات المخاطر.

خصومات قبل صرف القرض

وأوضح أن العميل كان يحصل على شيك لصرف قيمة التمويل من البريد، مشيرًا إلى أنه يتم خصم قيمة آخر قسط من مبلغ القرض عند الصرف باعتباره ضمانًا، بالإضافة إلى رسوم وتأمينات مرتبطة بالقرض.

وأضاف أن مدد التمويل كانت تبدأ من ستة أشهر، وتمتد إلى سنة وسنتين وحتى 36 شهرًا، لافتًا إلى أن الشركة كانت تتجنب منح مبالغ كبيرة لبعض العملاء إذا رأت أن احتمالات تعثرهم في السداد مرتفعة.

واختتم الموظف السابق حديثه مؤكدًا أنه ترك العمل بعد شهرين فقط، قائلًا إن السبب الرئيسي كان اقتناعه بأن هذا العمل "لا بركة فيه"، مضيفًا أنه كان ينصح بعض الراغبين في الحصول على القروض بعدم الإقدام عليها، قبل أن ينتقل للعمل في وظيفة أخرى.

شخص يحصل علي قرض - مولدة بالذكاء الاصطناعي
شخص يحصل علي قرض - مولدة بالذكاء الاصطناعي

موظف بشركة تقسيط يكشف تفاصيل احتساب الفائدة

وفي السياق ذاته، كشف موظف بإحدى شركات التقسيط، فضل عدم ذكر اسمه، أن نسبة الفائدة في شركات التقسيط تتراوح بين 12% و22% سنويًا، موضحًا أن قيمة الفائدة ترتفع كلما زادت مدة التمويل، لتصل إلى نحو 33% في حالة القروض الممتدة لمدة عام ونصف، مؤكدًا أن احتسابها يرتبط بمدة السداد المتفق عليها مع العميل.

وأكد، في تصريحات لـ"نيوز رووم"، أن الفائدة المركبة، إذا كانت مطبقة وفقًا لشروط عقد التمويل، تؤدي إلى زيادة مديونية العملاء المتعثرين في السداد.

وأوضح أنها قد تُحتسب على أصل مبلغ القرض والفوائد المتراكمة غير المسددة، وهو ما يرفع إجمالي المبلغ المستحق مع استمرار التأخر في السداد، خاصة عند إضافة غرامات التأخير والرسوم الأخرى المنصوص عليها في العقد.

غرامات التأخير ومندوبي التحصيل

وأضاف أن موعد سداد القسط يكون في اليوم نفسه من كل شهر الذي حصل فيه العميل على التمويل، مشيرًا إلى أن التأخر عن السداد يترتب عليه غرامة تحددها كل شركة.

ولفت إلى أن بعض الشركات، بحسب قوله، لا تطبق أي فترة سماح، وتُلزم العملاء بالسداد في الموعد المحدد، وفي حال حدوث أي تأخير يتم إرسال مندوب تحصيل إلى منزل العميل أو مقر عمله للمطالبة بالسداد.

وأوضح أن تكلفة التمويل لا تقتصر على الفائدة فقط، إذ تضيف الشركة مصروفات إدارية بنسبة 5%، لافتًا إلى أن قرضًا بقيمة 10 آلاف جنيه ترتفع قيمته المستحقة إلى 12 ألفًا و200 جنيه بعد إضافة الفائدة، بخلاف الرسوم الأخرى.

العميل لا يحصل على كامل قيمة التمويل

وأشار إلى أن العميل لا يحصل على كامل قيمة التمويل، موضحًا أنه يتم خصم مبالغ مقابل التأمين على الحياة ورسوم أخرى قبل صرف القرض، ما يجعل العميل يتسلم نحو 8500 جنيه فقط من أصل قرض قيمته 10 آلاف جنيه.

وأكد أن الحصول على التمويل يتطلب حضور العميل بنفسه مع وجود ضامن، موضحًا أن الضامن يتحمل مسؤولية السداد في حال تعثر العميل، وإذا لم يقم الطرفان بالسداد تُتخذ الإجراءات القانونية بحقهما.

وأضاف أن شركات التمويل تستهدف تمويل المشروعات متناهية الصغر، مثل مشروعات تربية الدواجن والأنشطة الصغيرة الأخرى، بهدف مساعدة العملاء على بدء مشروعاتهم وسداد الأقساط من عائد النشاط، مشيرًا إلى أنه في بعض الحالات، وفقًا لروايته، تلجأ بعض الشركات إلى استخدام صور قديمة أو مستندات للترويج لنفسها لجذب عملاء جدد.

مطالب برلمانية بمراجعة منظومة التمويل الاستهلاكي

من جانبه أكد النائب أمير الجزار، عضو مجلس النواب، أن ملف التمويل الاستهلاكي يحتاج إلى مراجعة جادة ووضع ضوابط أكثر صرامة، خاصة في أعقاب بعض الوقائع المؤسفة التي شهدها المجتمع خلال الفترة الأخيرة، والتي كشفت عن تداعيات خطيرة لبعض الممارسات المرتبطة بالحصول على القروض والتحصيل.

وقال الجزار، في تصريحات خاصة لـ"نيوز رووم"، إن التمويل الاستهلاكي يمثل أحد الأدوات المهمة لدعم النشاط الاقتصادي وتوفير السيولة للمواطنين، إلا أن المشكلة تكمن في غياب بعض الضوابط التي تمنع استغلال المواطنين أو ممارسة ضغوط غير قانونية عليهم، مشددًا على ضرورة وجود آليات واضحة ومحددة لعمليات الإقراض والتحصيل.

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

وأضاف أن من أبرز المشكلات التي رصدها على مدار سنوات من العمل الميداني، منح قروض لفئات غير قادرة على السداد أو دون دراسة كافية للقدرة المالية للمقترضين، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى أزمات أسرية ومشكلات اجتماعية قد تصل إلى الطلاق وتفكك الأسر.

وأشار عضو مجلس النواب إلى ضرورة وضع ضوابط خاصة عند منح التمويل لربات المنازل وغير العاملين، بما يضمن وجود ضامن أو مصدر دخل واضح، حفاظًا على استقرار الأسرة ومنع وقوع المواطنين في دوائر مديونية يصعب الخروج منها.

رقابة على شركات التحصيل

وأوضح الجزار أن أحد أهم الملفات التي تتطلب تدخلًا عاجلًا يتمثل في شركات التحصيل، مؤكدًا ضرورة إخضاعها بشكل كامل لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، لضمان التزامها بالضوابط القانونية ومنع أي تجاوزات أو ممارسات غير مشروعة قد يتعرض لها المتعثرون في السداد.

وأكد أن اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب ناقشت هذا الملف مؤخرًا بحضور ممثلي الهيئة العامة للرقابة المالية، وتم التقدم بعدد من الطلبات والمقترحات التي تستهدف تشديد الرقابة ووضع إطار تنظيمي أكثر فاعلية لعمليات التمويل والتحصيل.

وشدد على أهمية توجيه التمويل إلى الأنشطة الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تسهم في تحسين دخول المواطنين وخلق فرص عمل، بدلًا من التوسع في منح قروض استهلاكية لأغراض غير إنتاجية قد تزيد من الأعباء المالية على الأسر.

الآثار السلبية للديون غير المدروسة

ولفت إلى أنه تعامل بنفسه مع العديد من الحالات خلال السنوات الماضية، والتي كشفت عن الآثار السلبية للديون غير المدروسة، مؤكدًا أن القضية لا تتعلق فقط بالجانب الاقتصادي، وإنما تمتد إلى أبعاد اجتماعية وإنسانية تتطلب تضافر جهود الجهات الرقابية والتشريعية ومؤسسات التوعية المختلفة لحماية المواطنين والحفاظ على استقرار المجتمع.

كما شدد على ضرورة الإسراع في تنفيذ التوصيات التي تمت مناقشتها مع الجهات المختصة، ووضع ضوابط واضحة لعمليات الإقراض والتحصيل، بما يحقق التوازن بين دعم النشاط الاقتصادي وحماية المواطنين من الوقوع في دوائر الديون والأزمات الاجتماعية.

قفزة كبيرة في حجم التمويل وعدد العملاء

من جانبه، أكد الدكتور مدحت الشريف، الخبير الاقتصادي، أن التوسع الكبير في نشاط شركات التمويل الاستهلاكي يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر المصرية، مشددًا على أن هذه الشركات تؤدي دورًا مهمًا في تلبية الاحتياجات العاجلة للمواطنين، إلا أنها تحتاج إلى قواعد حوكمة ورقابة أكثر فاعلية لضمان الحد من الممارسات الخاطئة.

وقال الشريف، في تصريحات لـ"نيوز رووم"، إن مؤشرات التمويل الاستهلاكي توضح بصورة مباشرة حجم الضغوط الاقتصادية الواقعة على الأسرة المصرية، موضحًا أن بدايات هذا النشاط تعود إلى عامي 2019 و2020، حيث بلغ حجم التمويل آنذاك نحو 1.7 مليار جنيه، بينما كان عدد العملاء يقارب مليونًا و300 ألف عميل.

شركة تمويل -  مولدة بالذكاء الاصطناعي
شركة تمويل -  مولدة بالذكاء الاصطناعي

وأضاف أن حجم التمويل قفز حتى عام 2025 إلى نحو 96 مليار جنيه، مع وصول عدد العملاء إلى نحو 12 مليون عميل، وفقًا للتقارير الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية، معتبرًا أن هذه الأرقام تعكس اتجاه المواطنين بصورة متزايدة إلى الاقتراض الاستهلاكي نتيجة الضغوط المعيشية.

لماذا اتجه المواطنون إلى شركات التمويل؟

وأوضح الشريف أن البنوك أصبحت أكثر تحفظًا في منح القروض الاستهلاكية الصغيرة في ظل ارتفاع معدلات المخاطر، وهو ما دفع شريحة كبيرة من المواطنين إلى اللجوء لشركات التمويل الاستهلاكي للحصول على احتياجاتهم التمويلية.

وأشار إلى أن القروض الضخمة التي شهدت تجاوزات في السابق دفعت القطاع المصرفي إلى تشديد شروط منح التمويل، خاصة لأصحاب الدخول المحدودة، الأمر الذي جعل شركات التمويل البديل الأكثر انتشارًا.

وأضاف أن تراجع معدلات الادخار داخل الجهاز المصرفي يعكس تغيرًا في سلوك المواطنين، موضحًا أن نسبة الادخار التي كانت تدور حول 15% قبل سنوات تراجعت إلى ما يقارب 1% و1.2%.

وأكد أن المواطنين أصبحوا يوجهون دخولهم إلى شراء السلع الأساسية والاحتياجات المعيشية في ظل ارتفاع معدلات التضخم، لافتًا إلى أن كثيرًا منهم باتوا يفضلون شراء احتياجاتهم اليوم حتى لو كان ذلك من خلال التمويل، بدلًا من تأجيل الشراء مع استمرار ارتفاع الأسعار.

البنوك تتجه إلى أدوات الدين الحكومية

واصل الدكتور مدحت الشريف حديثه، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من السيولة داخل البنوك أصبح يتجه إلى الاستثمار في أذون وسندات الخزانة باعتبارها أقل مخاطرة وأكثر ضمانًا، وهو ما قلل من دور البنوك في تقديم التمويل المباشر للأفراد، وأتاح مساحة أكبر لشركات التمويل الاستهلاكي للتوسع.

وأوضح أن الهيئة العامة للرقابة المالية أعلنت أن نسبة التعثر في شركات التمويل، رغم ضخامة حجم التمويل وعدد العملاء، لم تتجاوز حتى الآن 3%، معتبرًا أنها نسبة محدودة مقارنة بحجم النشاط، إلا أن انخفاض معدل التعثر لا يمنع، بحسب قوله، ضرورة وضع قواعد حوكمة أكثر صرامة لضمان استمرار النشاط بصورة سليمة.

تنظيم النشاط وليس التضييق عليه

وشدد الشريف على ضرورة عدم التضييق على شركات التمويل أو تقليص نشاطها، مؤكدًا أنها تلبي احتياجات عاجلة لشريحة كبيرة من المواطنين الذين لا يستطيعون الحصول على تمويل من البنوك.

وأضاف أن التضييق على هذه الشركات قد يدفع بعض المواطنين إلى اللجوء إلى وسائل غير قانونية للحصول على الأموال، مؤكدًا أن المطلوب هو تنظيم النشاط وليس إيقافه.

خطوات لتنظيم السوق

وأشار الشريف إلى أن البنك المركزي بدأ اتخاذ إجراءات لتنظيم السوق، من بينها إلزام شركات التمويل بإدراج العملاء داخل منظومة الاستعلام الائتماني "I-Score"، من خلال كود تعريفي موحد لكل عميل.

شركات التمويل الاستهلاكي
شركات التمويل الاستهلاكي

وأوضح أن هذه الخطوة ستمنع حصول العميل على قروض متعددة من شركات مختلفة دون وجود قاعدة بيانات موحدة، بما يساعد على ضبط منح الائتمان والحد من التوسع غير المدروس في الإقراض.

منظومة شكاوى إلكترونية لحماية العملاء

وطالب الشريف الهيئة العامة للرقابة المالية بإنشاء منظومة إلكترونية سهلة لتلقي شكاوى المواطنين على مدار الساعة، حتى يتمكن أي متضرر من تقديم شكواه بسرعة ودون تعقيدات.

كما طالب بتفعيل دور جهاز حماية المستهلك بصورة أكبر في متابعة نشاط شركات التمويل، باعتباره جهة معنية بحماية حقوق المستهلك، إلى جانب قيامه بحملات توعية للمواطنين بحقوقهم والتزاماتهم قبل الحصول على التمويل.

عقوبات رادعة للمخالفين

وأكد الشريف ضرورة توقيع عقوبات رادعة على الشركات التي ترتكب مخالفات، مشيرًا إلى أن هيئة الرقابة المالية هي الجهة المختصة بالإشراف على شركات التمويل غير المصرفي، ولها صلاحية تفعيل أحكام القانون أو اقتراح تعديلات تشريعية عند الحاجة.

وأضاف أن مجلس النواب يستطيع دعم هذا الاتجاه من خلال إدخال نصوص قانونية أكثر حسمًا لمواجهة التجاوزات التي قد تحدث داخل بعض الشركات.

التمويل متناهي الصغر يحتاج رقابة ميدانية

وتطرق الشريف إلى نشاط التمويل متناهي الصغر، مؤكدًا أن هذا النوع من التمويل يمكن أن يحقق نتائج إيجابية إذا اقترن برقابة حقيقية ومتابعة مستمرة للمشروعات الممولة، مشيرًا إلى أن دولًا مثل الصين تعتمد بصورة كبيرة على المشروعات متناهية الصغر في دعم الاقتصاد، ولكن وفق منظومة رقابية دقيقة تضمن تنفيذ المشروعات على أرض الواقع.

كما استشهد بتجربة جمعية مصر الخير في بعض المناطق، موضحًا أنها كانت تعتمد على المتابعة الميدانية المستمرة للمشروعات من خلال فرق متخصصة، بما يضمن نجاح التمويل وتحقيق أهدافه.

تنسيق بين الجهات الرقابية

ودعا الشريف إلى وجود تنسيق كامل بين الهيئة العامة للرقابة المالية ووزارة التضامن الاجتماعي وجهاز حماية المستهلك، بحيث تعمل هذه الجهات وفق منظومة رقابية موحدة، بدلًا من عمل كل جهة بصورة منفصلة، مؤكدًا أن وجود قواعد إشراف واضحة، وتوزيعًا محددًا للاختصاصات، سيعزز من حوكمة القطاع ويحد من التجاوزات.

 

مزايا التمويل الاستهلاكي

وأوضح الشريف أن التمويل الاستهلاكي يوفر عدة مزايا، في مقدمتها تلبية الاحتياجات العاجلة للفئات الأكثر احتياجًا والطبقة المتوسطة، خاصة مع صعوبة الحصول على التمويل من البنوك.

وأضاف أنه يسهم كذلك في تقليل بعض صور الجريمة الناتجة عن الحاجة المالية، كما يساعد على تنشيط حركة البيع والإنتاج داخل المصانع والأسواق من خلال زيادة القوة الشرائية للمواطنين.

وأشار أيضًا إلى أن التمويل الاستهلاكي يساعد كثيرًا من الشباب على استكمال تجهيزات الزواج وشراء الأجهزة المنزلية في ظل ارتفاع الأسعار

سلبيات النشاط

وفي المقابل، أوضح الشريف أن من أبرز السلبيات تراجع معدلات الادخار داخل البنوك، واتجاه المواطنين إلى الاستهلاك بصورة أكبر، وهو ما ينعكس على الاقتصاد الكلي.

وأضاف أن ضعف الحوكمة في بعض الحالات أدى إلى انتشار ممارسات مثل حرق السلع، والحصول على تمويل لمشروعات غير قائمة على أرض الواقع، فضلًا عن ضرورة تشديد الرقابة على مصادر تمويل الشركات لضمان عدم استغلالها في عمليات غسل الأموال.

وشدد على أن تطوير منظومة التمويل الاستهلاكي يتطلب تحقيق التوازن بين استمرار دورها في تلبية احتياجات المواطنين، وبين تعزيز الرقابة والحوكمة لضمان حماية المستهلك والحفاظ على استقرار القطاع المالي.

شركات التمويل تؤدي دورًا كانت تقوم به البنوك

من جانبه، قال الدكتور عز الدين حسنين، الخبير الاقتصادي والمصرفي، إن شركات التمويل الاستهلاكي تقوم في الأساس بالدور الذي كانت تقوم به البنوك في منح قروض الأفراد، أو ما يعرف بقروض التجزئة المصرفية (Retail)، والتي تشمل القروض الشخصية الموجهة لشراء السيارات أو الهواتف المحمولة أو الاحتياجات الاستهلاكية المختلفة.

الدكتور عز الدين حسنين
الدكتور عز الدين حسنين

وأوضح، في تصريحات لـ"نيوز رووم"، أن البنوك تعزف عن تمويل القروض الصغيرة، مثل تمويل شراء هاتف محمول بقيمة 50 أو 100 ألف جنيه، أو الحصول على 30 ألف جنيه لسداد مصروفات دراسية، لأن منح هذا النوع من التمويل يتطلب إجراءات مصرفية كاملة تشمل دراسة ائتمانية، وموظفي ائتمان، ولجان مخاطر، ولجان متابعة، وعددًا من القطاعات داخل البنك، وهو ما يجعل تكلفة دراسة القرض مرتفعة مقارنة بقيمته.

وأضاف أن هذا الأمر دفع إلى التفكير في إنشاء شركات متخصصة في التمويل الصغير وتمويل الأفراد، مشيرًا إلى أن البنوك ساهمت في رؤوس أموال عدد من هذه الشركات، كما قامت بعض البنوك بإنشاء شركات تابعة لها، إلى جانب تمويلها لتلك الشركات حتى تعيد إقراض الأموال للأفراد.

تعتمد على القروض أكثر من رؤوس أموالها

وأشار حسنين إلى أن رأس مال شركات التمويل الاستهلاكي يمثل في بعض الأحيان ما بين 10 و15% فقط من إجمالي مصادر تمويلها، بينما تعتمد النسبة الأكبر، التي تصل إلى نحو 85%، على القروض، إلى جانب عمليات التوريق وإصدار السندات.

وأوضح أن هذه الشركات مبنية في الأساس على الاقتراض، ثم إعادة إقراض هذه الأموال للأفراد، لافتًا إلى أنها تحقق هوامش أرباح مرتفعة تصل إلى 40 و45 و50% خلال مدة القرض.

وأضاف أن فترة التمويل في القروض الدراسية غالبًا لا تتجاوز عامًا واحدًا، بينما تمتد في بعض القروض الأخرى إلى عامين أو ثلاثة أعوام.

استخدام القروض في غير الغرض المعلن

وأكد حسنين أن شركات التمويل الاستهلاكي ساعدت بصورة كبيرة الأفراد في الحصول على التمويل اللازم لتلبية احتياجاتهم في أوقات معينة، لكنه أوضح أن نسبة تتراوح بين 60 و70% من العملاء لا يستخدمون القرض في الغرض الذي يتقدمون بطلب التمويل من أجله.

وأشار إلى أن بعض العملاء يتقدمون للحصول على تمويل لشراء أجهزة منزلية مثل الثلاجات أو الغسالات، بينما يحصلون في النهاية على التمويل نقدًا ويتصرفون فيه بالطريقة التي يرونها مناسبة.

وأضاف أن الشركات كانت تساعد على ذلك، لأن الهدف الأساسي كان زيادة حجم التمويلات الممنوحة، في ظل وجود مستهدفات بيعية (Target) لموظفي الفروع المنتشرة بالمحافظات.

48 شركة متخصصة في التمويل الاستهلاكي

وأوضح الدكتور عز الدين حسنين أن عدد الشركات المتخصصة في نشاط التمويل الاستهلاكي يبلغ نحو 48 شركة من إجمالي ما يقرب من 2500 شركة تعمل في قطاع التمويل، مشيرًا إلى أنه إذا كانت كل شركة تمتلك فروعًا في نحو 10 محافظات فقط، فإن ذلك يعني وجود ما يقرب من 480 فرعًا على مستوى الجمهورية.

وأضاف أن عدد البنوك العاملة في مصر يبلغ 36 بنكًا، بينما يصل عدد شركات التمويل الاستهلاكي إلى 48 شركة، معتبرًا أن اتساع نشاط هذه الشركات خلق إشكالية تتمثل في تخلي البنوك عن جزء من وظائفها التقليدية داخل السوق لصالح شركات التمويل.

وأوضح أن هذه الوظائف تشمل تمويل الأفراد، والتحويلات المالية، وإصدار بطاقات الائتمان، مثل خدمات "فاليو"، بالإضافة إلى تمويل الإسكان والسيارات وغيرها من المنتجات التي كانت تُعد في الأساس منتجات مصرفية تقدمها البنوك.

البنوك تمول والشركات تتحمل المخاطر

وقال حسنين إن البنوك أصبحت تقرض شركات التمويل، بينما تتحمل هذه الشركات مخاطر منح التمويلات، وأعباء التحصيل، ودراسة العملاء، في حين تحصل البنوك على الفوائد والعمولات الناتجة عن القروض التي تمنحها لتلك الشركات.

وأضاف أن شركات التمويل تحصل على الأموال من البنوك بفائدة تقارب 20%، ثم تعيد إقراضها للأفراد بفائدة تصل إلى نحو 40%، معتبرًا أنها تعتمد في نشاطها على أموال البنوك أكثر من اعتمادها على رؤوس أموالها.

وأوضح أن البنوك لم تكتفِ بالمساهمة في رؤوس أموال شركات التمويل الاستهلاكي، بل قامت أيضًا بشراء السندات التي تصدرها تلك الشركات، والمشاركة في عمليات التوريق الخاصة بها داخل البورصة، إلى جانب منحها قروضًا مباشرة، مؤكدًا أن البنوك لعبت دورًا رئيسيًا في دعم انتشار هذه الشركات وتوسعها.

ميزة واحدة مقابل عدة سلبيات

وأشار حسنين إلى أن لهذه الشركات مزايا وعيوبًا، موضحًا أن الميزة الأساسية تتمثل في إتاحة التمويل للمواطن الذي لا يستطيع الحصول على قرض من البنوك، واصفًا ذلك بأنه الميزة الوحيدة تقريبًا.

وفي المقابل، قال إن العيوب عديدة، أولها أن بعض الشركات لا تلتزم بقواعد الائتمان، ولا تطبق قواعد التحصيل السليمة، مشيرًا إلى أن بعض عمليات التحصيل تتم من خلال شركات خارجية أو مكاتب محاماة.

وأضاف أن من بين الممارسات التي انتقدها توقيع العملاء على شيكات وإيصالات أمانة، موضحًا أنه في حال توقف العميل عن السداد بعد أربع أو خمس دفعات أو أقساط، يتم اتخاذ إجراءات قانونية ضده ورفع جنح مباشرة قد يترتب عليها صدور أحكام جنائية.

وأشار إلى أن عدد عملاء هذه القروض يقترب من 12 مليون عميل، مضيفًا أن نسبة كبيرة منهم تواجه مشكلات بسبب التعثر في السداد.

تعارض مع سياسات البنك المركزي

وقال حسنين إن من العيوب أيضًا أن شركات التمويل الاستهلاكي قد تعمل في بعض الأوقات بصورة تتعارض مع سياسات البنك المركزي، موضحًا أن البنك المركزي عندما يستهدف سحب السيولة من الأسواق للحد من التضخم، تستمر هذه الشركات في ضخ السيولة من خلال منح القروض للأفراد.

وأضاف أن البنوك تمنح هذه الشركات التمويل، بينما تسعى الشركات إلى إعادة ضخ الأموال في السوق لتحقيق المستهدفات البيعية الخاصة بها، وهو ما اعتبره مساهمة في زيادة السيولة وبالتالي زيادة الضغوط التضخمية.

ارتفاع الرفع المالي يزيد المخاطر

وأوضح الخبير الاقتصادي أن من بين المشكلات أيضًا ارتفاع معدلات الرفع المالي داخل هذه الشركات، حيث تعتمد بصورة كبيرة على الاقتراض مقارنة برؤوس أموالها.

وأضاف أن أي زيادة في معدلات التعثر قد تؤدي إلى تعرض الشركات لأزمات مالية، وهو ما قد ينعكس على البنوك التي قامت بتمويلها، مؤكدًا أن ذلك قد يؤدي إلى انتقال التأثيرات داخل القطاع المالي.

وأشار إلى أن هشام عز العرب سبق أن حذر من المخاطر المحتملة لهذا القطاع، لافتًا إلى أن هذه التحذيرات كانت بداية تسليط الضوء على طبيعة عمل شركات التمويل الاستهلاكي.

من دور إيجابي إلى آثار سلبية

وقال حسنين إن شركات التمويل الاستهلاكي كانت تؤدي في البداية دورًا إيجابيًا يتمثل في توفير التمويل للمواطنين، إلا أنه يرى أن هذا الدور تحول مع الوقت إلى آثار سلبية على المجتمع.

وأضاف أنها، بحسب رؤيته، لم تعد تضيف قيمة حقيقية للقطاع المالي غير المصرفي بقدر ما تسهم في زيادة الضغوط التضخمية، إلى جانب تحقيق أرباح كبيرة، معتبرًا أن الهدف الذي أُنشئت من أجله تحول مع الوقت إلى نتائج وصفها بأنها تضر بالمجتمع.

التمويل الاستهلاكي يختلف عن تمويل المشروعات

وردًا على ما أثير بشأن منح قروض لمشروعات غير قائمة فعليًا، أوضح حسنين أن هذه الحالات تتعلق بتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وليس بالتمويل الاستهلاكي المخصص للأفراد.

وأشار إلى أن تمويل المزارع والورش والمحال التجارية يتم من خلال جمعيات تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة وبعض الشركات المتخصصة، لافتًا إلى أن هذا النشاط يشهد أيضًا مشكلات وتجاوزات.

وأضاف أنه على دراية بوجود مثل هذه الممارسات، موضحًا أنها ليست قاصرة على شركات التمويل، مشيرًا إلى أن البنك الزراعي شهد في فترات سابقة ممارسات مشابهة، تمثلت في استخدام المشروع نفسه للحصول على أكثر من قرض من خلال أشخاص مختلفين، قبل أن يتم تشديد الضوابط والرقابة للحد من هذه الحالات.

الواقعة الأخيرة تستوجب مراجعة شاملة للمنظومة

من جانبه، أعرب النائب الحسيني الليثي، عضو مجلس الشيوخ عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين وعضو الهيئة العليا لحزب الإصلاح والتنمية، عن بالغ حزنه وأسفه إزاء الواقعة الإنسانية المؤلمة التي شغلت الرأي العام خلال الأيام الماضية، والمتعلقة بوفاة فتاة وسط تداول معلومات تربط الواقعة بضغوط الديون والالتزامات المالية.

النائب الحسيني الليثي
النائب الحسيني الليثي

وأكد أن الفصل في أسباب الواقعة ومسؤولياتها يظل اختصاصًا أصيلًا للنيابة العامة والجهات القضائية، وأن الجميع مطالب باحترام نتائج التحقيقات.

وقال الليثي إن القضية، بعيدًا عن تفاصيلها الجنائية، كشفت عن أزمة حقيقية تتعلق بانتشار التمويل الاستهلاكي دون وجود منظومة متكاملة توفر الحماية الكافية للمستهلك، وتضمن في الوقت نفسه الحفاظ على حقوق الشركات، مشيرًا إلى أن التوسع في منح التمويل يجب أن يقابله توسع مماثل في الضمانات القانونية والإنسانية التي تمنع تحول التعثر المالي إلى أزمة اجتماعية أو نفسية.

رفض أي ممارسات تمس كرامة المواطنين

وأكد النائب الحسيني الليثي أن شركات التمويل الاستهلاكي تؤدي دورًا اقتصاديًا مهمًا في دعم حركة الأسواق وزيادة القدرة الشرائية للمواطنين، إلا أن هذا الدور لا يمنح أي جهة الحق في ممارسة أساليب ضغط أو تحصيل تتجاوز حدود القانون أو تمس كرامة الإنسان.

وشدد على أن العلاقة بين الممول والعميل يجب أن تقوم على الاحترام والشفافية والالتزام بالقانون، بما يضمن الحفاظ على حقوق جميع الأطراف.

مراجعة العقود وآليات التعامل مع المتعثرين

وأضاف الليثي أن العديد من المواطنين يشكون من تعقيد بعض العقود، وعدم وضوح التكلفة الحقيقية للتمويل، فضلًا عن شكاوى متكررة تتعلق بآليات التواصل مع العملاء المتعثرين، وهو ما يستوجب مراجعة جادة من الجهات الرقابية لضمان التزام جميع الشركات بالمعايير المهنية والقانونية، ومعاقبة أي تجاوزات تثبتها التحقيقات أو الشكاوى الموثقة.

موظفين تحصيل يعتدون علي شخص - مولدة بالذكاء الاصطناعي
موظفين تحصيل يعتدون علي شخص - مولدة بالذكاء الاصطناعي

البرلمان مطالب بفتح الملف

وشدد عضو مجلس الشيوخ على أن البرلمان مطالب اليوم بممارسة دوره الرقابي والتشريعي من خلال فتح ملف التمويل الاستهلاكي على نطاق واسع، والاستماع إلى الحكومة والهيئة العامة للرقابة المالية وشركات التمويل وجمعيات حماية المستهلك، بهدف تقييم التشريعات الحالية ومدى كفايتها في تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية المواطنين.

وطالب الحكومة والجهات الرقابية بسرعة اتخاذ عدد من الإجراءات، في مقدمتها مراجعة مدونة السلوك الخاصة بعمليات تحصيل المديونيات، ووضع ضوابط أكثر صرامة تمنع أي ممارسات تمثل ضغوطًا نفسية أو اجتماعية على العملاء، مع إلزام الشركات بتقديم حلول لإعادة جدولة الديون قبل اتخاذ الإجراءات القانونية، والتوسع في برامج التوعية بالاقتراض المسؤول، والإفصاح الكامل عن جميع الالتزامات المالية قبل توقيع العقود.

دعم القطاع المالي مع الالتزام بالعدالة والشفافية

وأكد الليثي أن الدولة المصرية حريصة على دعم القطاع المالي غير المصرفي باعتباره أحد محركات النمو الاقتصادي، لكن نجاح هذا القطاع يرتبط بمدى التزامه بمبادئ العدالة والشفافية والمسؤولية المجتمعية، وليس فقط بحجم الأرباح أو معدلات النمو.

وشدد على أنه "لن يكون هناك اقتصاد قوي دون مواطن يشعر بالأمان والعدالة، فحماية الاستثمار هدف وطني، لكن حماية كرامة الإنسان واجب دستوري لا يقل أهمية".

وأضاف أن مراجعة منظومة التمويل الاستهلاكي أصبحت ضرورة تشريعية ومجتمعية، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي، وليظل القانون هو الضامن الوحيد لحقوق المواطنين.

شكاوى متزايدة من المتعثرين

من جانبها، حذرت النائبة سناء السعيد، عضو مجلس النواب، من التداعيات المتزايدة لانتشار شركات التمويل الاستهلاكي والقروض في المحافظات، مؤكدة أن آليات الإقراض التي تتبعها بعض هذه الشركات تحتاج إلى مراجعة شاملة، في ظل ارتفاع أعداد المواطنين المتعثرين في سداد القروض وما يترتب على ذلك من أزمات مالية وقانونية.

النائبة سناء السعيد
النائبة سناء السعيد

وكشفت، في تصريحاتها لـ"نيوز رووم"، أن مكتبها يتلقى بشكل مستمر شكاوى من رجال ونساء وشباب تعثروا في سداد قروض حصلوا عليها من شركات التمويل الاستهلاكي، مشيرة إلى أن بعضهم يواجه أحكامًا أو تهديدات بالحبس بسبب عدم قدرتهم على سداد الأقساط بعد تراكم المديونيات.

وأضافت أن العديد من المواطنين يلجأون إلى مكتبها طلبًا للمساعدة في التواصل مع الجمعيات والمؤسسات الخيرية لسداد ديونهم، إلا أن هذه الجهات لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الغارمين والغارمات.

انتشار واسع وضمانات غير كافية

وقالت عضو مجلس النواب إن شركات التمويل الاستهلاكي توسعت بصورة كبيرة في مختلف المحافظات، ووصلت إلى المدن والمراكز الصغيرة، مع تقديم تسهيلات واسعة للحصول على القروض، إلا أن الضمانات المطلوبة أصبحت، في كثير من الحالات، غير كافية.

وأشارت إلى أن بعض الشركات تعتمد على استقطاب المواطنين في الشوارع وعرض التمويل عليهم بإجراءات ميسرة للغاية، دون التحقق بشكل كافٍ من قدرتهم على السداد، وهو ما يؤدي إلى تعثر عدد كبير منهم لاحقًا.

وأضافت أن المواطنين يفاجأون بعد ذلك بعدم قدرتهم على الوفاء بالأقساط، مع استمرار احتساب الفوائد، الأمر الذي يفاقم حجم المديونيات ويعرضهم لإجراءات قانونية.

إعداد ملف متكامل عن المتعثرين

وأشارت السعيد إلى أنها تعمل حاليًا على إعداد ملف متكامل لعرضه على مجلس النواب، يتضمن حصرًا لأعداد المتعثرين في مختلف المحافظات، وقيمة المديونيات، وآليات منح القروض، والمعايير التي تعتمد عليها الشركات في منح التمويل، إلى جانب دراسة الضمانات التي تحصل عليها، ومدى متابعتها لاستخدام القروض، وما إذا كانت تُوجه إلى أنشطة إنتاجية أم لأغراض استهلاكية.

وأكدت أن الهدف من هذا الملف هو الوصول إلى آليات أكثر انضباطًا في منح التمويل، بما يحقق التوازن بين توفير التمويل للمواطنين وحمايتهم من الوقوع في التعثر.

مقارنة مع ضوابط البنوك

وأكدت النائبة أن البنوك تطبق ضوابط أكثر دقة عند منح القروض، تشمل الاستعلام عن العميل، والتأكد من ملاءته المالية، والحصول على ضمانات مناسبة، وهو ما يحد من نسب التعثر، على عكس ما يحدث لدى بعض شركات التمويل.

وأوضحت أن الظروف الاقتصادية الحالية تدفع كثيرًا من المواطنين إلى اللجوء إلى هذه القروض لتلبية احتياجات معيشية أو لتزويج الأبناء، إلا أن غياب الضوابط الكافية يجعلهم أكثر عرضة للوقوع في أزمات مالية.

مشروع تربية دواجن- مولدة بالذكاء الاصطناعي
مشروع تربية دواجن- مولدة بالذكاء الاصطناعي

دعوة للعودة إلى الهدف الأساسي للتمويل

وشددت السعيد على أن فلسفة تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر كانت تستهدف في الأساس دعم الإنتاج وتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، إلا أن التطبيق الحالي، بحسب قولها، ابتعد عن هذا الهدف، في ظل تركيز بعض الشركات على التوسع في منح القروض لتحقيق مستهدفات وحوافز للعاملين بها.

وأضافت أن خبرتها السابقة في البنك الزراعي أكدت أهمية الاعتماد على دراسات الجدوى، والضمانات الكافية، والمتابعة المستمرة للمشروعات الممولة، وهو ما ساهم في نجاح منظومة الإقراض.

وأكدت ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة تنظيم عمل شركات التمويل الاستهلاكي، ووضع ضوابط أكثر صرامة لمنح القروض، معتبرة أن استمرار الأوضاع الحالية يمثل خطرًا حقيقيًا على المجتمع، ويستدعي تدخلًا تشريعيًا ورقابيًا لحماية المواطنين والحد من تزايد أعداد المتعثرين.

 

تم نسخ الرابط