اتسم المونديال هذه المرة بالتدخل الفج للسياسة والبيزنس من خلال شركات المراهنات العالمية، ورغم معرفة الجميع بتلك الحقائق وغض النظر عنها، إلا أن فضيحة إقصاء مصر أمام الأرجنتين كانت بمثابة أهم مستند للعالم على الهواء مباشرة وأمام مئات المليارات من الشهود.
إن مسابقة كأس العالم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك هذا العام كشفت بوضوح وجود تحيز وتدخل سياسي ومراهنات وفساد لدى الجهة المنظمة "الفيفا"، بغض النظر عن نتيجة مباراة مصر والأرجنتين التي برزت كل هذا بوضوح.
تجاوزت بطولة كأس العالم حدود كونها الحدث الكروي الأكبر عالمياً، لتصبح أيضاً أحد أبرز المحركات الاقتصادية لصناعة المراهنات الرياضية العالمية، التي تتحرك بالتوازي مع إيقاع المباريات. وتشير تقديرات بنوك استثمار وشركات أبحاث متخصصة إلى أن قيمة الرهانات المرتبطة بمونديال 2026 قد تتجاوز 50 مليار دولار، مقارنة بنحو 35 مليار دولار خلال نسخة 2022، مما يجعل البطولة مرشحة لتسجيل أكبر حجم مراهنات على حدث رياضي منفرد في التاريخ. ولإدراك حجم هذه الأرقام، يكفي أن نعلم أن قيمة الرهانات المتوقعة تفوق القيمة السوقية للعديد من الشركات العالمية الكبرى، إلا أن القصة لا تتعلق بالرياضة فقط، بل تمتد إلى التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والاقتصاد الرقمي، والتشريعات المنظمة لهذا القطاع سريع النمو.
ولا تقتصر الاستفادة على شركات المراهنات وحدها، إذ تستفيد منظومة اقتصادية كاملة تضم شركات البيانات الرياضية، ومطوري البرمجيات والخوارزميات، ومزودي خدمات الدفع الإلكتروني، وشركات البث الرياضي، فضلاً عن بعض الأندية والاتحادات الرياضية التي تحصل على عوائد من عقود الرعاية والإعلانات.
الذكاء الاصطناعي يغير قواعد اللعبة
في الماضي، كانت المراهنات الرياضية تدور حول سؤال واحد: من سيفوز بالمباراة؟ أما اليوم، فقد أصبحت الخيارات شبه غير محدودة. فلم تكن العودة المثيرة للأرجنتين لافتةً من الناحية الرياضية فقط، بل أثارت أيضًا اهتمام متابعي أسواق المراهنات المباشرة، بعدما شهدت احتمالات الفوز تقلبات حادة خلال مجريات اللقاء؛ فمع انطلاق المباراة، دخل المنتخب الأرجنتيني باعتباره المرشح الأبرز لتحقيق الانتصار والتأهل إلى الدور التالي، فيما جاءت فرص المنتخب المصري أقل وفقاً لتقديرات شركات المراهنات، ومع تقدم مصر حتى الدقيقة 78، تغيرت تلك التوقعات بشكل كبير، إذ ارتفعت احتمالات فوز الأرجنتين في المراهنات المباشرة إلى مستويات غير متوقعة، قبل أن تنجح في قلب النتيجة لصالحها في الدقائق الأخيرة.
ووفقاً لشركة Caesars Sportsbook، فإن أحد المراهنين راهن بمبلغ 200 دولار على فوز الأرجنتين في ذروة تراجع حظوظها، محققاً ربحاً بلغ 5 آلاف دولار بعد العودة الدرامية للمنتخب. وكشفت إحصائية عالمية عن حصيلة المراهنات غير القانونية على مباراة مصر والأرجنتين، والتي رجحت فوز الأرجنتين بنسبة 80%، مما يعني خسارة مالية فادحة لهؤلاء المراهنين والتي تُقدّر بملايين الدولارات لو انتهت المباراة لصالح الفراعنة.
وفي السياق ذاته، تداول ناشطون أرقاماً تشير إلى أن احتمالات فوز مصر قبل المباراة كانت مرتفعة العائد بالنسبة للمراهنين، وهو ما دفع البعض إلى الاستنتاج بأن انتصار المنتخب المصري كان سيؤدي إلى خسائر كبيرة لشركات المراهنات، كما أن أغلب "البراندات" الأمريكية تستخدم ميسي وتستثمر فيه عشرات الملايين، بالإضافة لجمهور الأرجنتين المعروف بأنه الجمهور الأكثر حضوراً وزحفاً وراء فريقه وصاحب أعلى رقم في شراء التذاكر والمراهنة والحضور الجماهيري في مباريات كأس العالم.
كواليس القرارات التحكيمية وصناعة البطل
نظريات المؤامرة تصاعدت أكثر بعد إعلان طاقم حكام مباراة فرنسا، وتُعد فرنسا المرشح الأوفر حظاً للفوز بالبطولة، تليها إسبانيا بحسب شركات المراهنات، ثم الأرجنتين في المركز الثالث. وأثارت قرارات الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير في الدقائق الأخيرة من عمر المباراة، العديد من التساؤلات حول مدى تأثير المراهنات على نتيجة المباراة، خاصة وأن البطولة كانت ستخسر منافساً قوياً مثل الأرجنتين بطل النسخة الماضية للبطولة في قطر، وهو ما يضع ضغوطاً كبيرة على الحكام خلال مواجهات المنتخبات المرشحة لحصد لقب المونديال.
هذا الجدل دفع بعض المتابعين إلى الربط بين حجم الأموال المتداولة في أسواق المراهنات وبين النتائج المفاجئة التي تشهدها البطولات الكبرى، خاصة عندما تتغير مجريات المباراة بصورة دراماتيكية خلال دقائق معدودة. كما أشار مراقبون إلى أن مثل هذه المباريات تؤدي غالباً إلى تقلبات كبيرة في أسواق المراهنات المباشرة، مع تغير احتمالات الفوز بشكل متسارع مع كل هدف أو حدث داخل الملعب.
وعندما تتدخل السياسة والمصالح الاقتصادية والمراهنات الدولية في أي عمل تفسده؛ يكفي أن تعلم أن في فيتنام خسر المقامرون على الفريق المصري 330 مليون دولار، فما بالك بالمراهنات التي كانت في أمريكا وكل دول العالم الأخرى؟ فعندما يعود الحكم للـ VAR في هدف مصر ويُلغيه بسبب إعاقة في بداية اللعبة، ولا يعود للـ VAR في هدف فوز الأرجنتين رغم وجود إعاقتين في بداية اللعبة.. إذًا فنحن نشاهد "مسرحية"، وخطة إقصاء مصر كانت جاهزة قبل المباراة بسبب كلام حسام حسن، وكانت حساباتهم أنهم سيفوزون بسهولة، ولما فشلوا تم التأكيد على الحكم بين الشوطين على عرقلة الفريق المصري بأي وسيلة حتى لا يخرج ميسي من البطولة وتخسر شركات المراهنات والرعاة ويخسر الفيفا الفاسد ورئيسه.
الرياضة كأداة للصراع السياسي
ثم إن الدولة أمريكا لا ترى في الرياضة إلا أداة من أدوات الصراع السياسي التي تخوضه في كل ركن من أركان العالم، وقررت هزيمة إمبراطورية كرة القدم ودستورها الذي يدعو لنبذ العنف والتعصب والكراهية والمساواة والتكاتف ونشر قيم السلام والمحبة والتقارب بين الشعوب. وما قامت به سلطات الولايات المتحدة الأمريكية من توظيف كرة القدم لصالح مشروعها السياسي ليس غريباً عنها، منذ أن قررت التداخل وجعل الرياضة سلاحاً سياسياً وأداة من أدوات معاقبة مخالفيها و"أعدائها" من حضور أكبر تظاهرة رياضية في العالم يحكمها قانون خاص بالرياضة وليست قوانين الحرب والعداء، ووسيلة لدعم حلفائها.
وكان تعليق تطبيق الإيقاف التلقائي لمباراة واحدة بعد البطاقة الحمراء التي تلقاها اللاعب فولارين بالوغون لمدة عام تحت المراقبة، تجاوزاً للخطوط الحمراء وتوظيفاً للرياضة لصالح السياسة، كما أن منع الرياضيين المشاركين من الحصول على تأشيرة الدخول كان فجاً وسط صمت مخجل من الفيفا، إضافة للمعاملة الرديئة لمنتخب إيران.