عاجل

لا يختلف اثنان على أن الضريبة حق أصيل للدولة، وأنها تمثل أحد أهم مصادر تمويل الموازنة العامة للدولة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتحقيق التنمية المستدامة. وفي المقابل، فإن العدالة الضريبية ليست مجرد تحصيل للإيرادات، وإنما هي عقد من الثقة المتبادلة بين الدولة والمواطن، يقوم على التوازن بين حق الدولة في مواردها وحق المواطن في ألا يتحمل من الأعباء ما يفوق قدرته.

وقد جاء قانون الضريبة على العقارات المبنية رقم (3) لسنة 2026 محملاً بعدد من التيسيرات المهمة التي تستحق الإشادة، حيث رفع حد إعفاء السكن الخاص للأسرة إلى ثمانية ملايين جنيه بدلاً من مليوني جنيه، مع التجاوز عن مقابل التأخير عند سداد أصل الضريبة حتى الثاني من أكتوبر، وإتاحة التصالح في المنازعات الضريبية، ومنح خصومات للممولين الملتزمين بتقديم الإقرارات والسداد في المواعيد القانونية، فضلًا عن إطلاق تطبيق إلكتروني لتسهيل احتساب الضريبة وسدادها، وهي خطوات تؤكد حرص الدولة على التيسير وتشجيع الالتزام الضريبي.

لكن نجاح أي تشريع لا يقاس فقط بما يتضمنه من حوافز وتسهيلات، وإنما بقدرته على تحقيق العدالة في التطبيق العملي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسكن، الذي يمثل بالنسبة للمواطن المصري حصيلة سنوات طويلة من الكفاح والعمل والادخار.

وهنا تبرز حالات واقعية تستحق إعادة النظر.

فقد نجد صاحب معاش أو موظفًا محدود الدخل يمتلك شقتين صغيرتين، إحداهما يقيم فيها مع أسرته، والأخرى اشتراها منذ سنوات طويلة بالقسط بمدخرات عمره، ولم يتمكن حتى الآن من استكمال توصيل المرافق إليها ولا تصلح للعيش فيها لأنها في حاجه لمصاريف باهظه، فلا تحقق له أي دخل أو منفعة، ومع ذلك قد يصبح مطالبًا بسداد الضريبة العقارية، رغم أنه يدخرها لأولاده، في حين قد يتمتع بالإعفاء من يمتلك وحدة واحدة مرتفعة القيمة في منطقة راقية طالما توافرت فيها شروط الإعفاء.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل العدالة الضريبية تُقاس بعدد العقارات، أم بالقدرة الحقيقية للمواطن على تحمل الضريبة؟
فالارتفاع الكبير في القيمة السوقية للعقارات خلال السنوات الأخيرة لا يعني بالضرورة أن أصحابها أصبحوا أكثر ثراءً، فالكثير من المواطنين اشتروا مساكنهم منذ سنوات بأسعار متواضعة، ثم ارتفعت قيمتها السوقية لأسباب اقتصادية لا دخل لهم بها، بينما ظلت دخولهم كما هي، وربما تراجعت قدرتهم الشرائية بفعل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

فكيف يُطالب مواطن بسداد ضريبة على ثروة ورقية لا يستطيع تحويلها إلى دخل حقيقي؟

إن أحد أهم المبادئ المستقرة في الفكر الضريبي هو مبدأ القدرة التكليفية، أي أن يتحمل كل مواطن من الضرائب بقدر قدرته الفعلية، وهو المبدأ الذي يتوافق مع فلسفة الدستور المصري في تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين دون تمييز.

كما أن هناك جانبًا عمليًا لا يمكن تجاهله، وهو أن بعض ملاك الوحدات المؤجرة لا يحصلون بالفعل على إيجاراتهم بسبب تعثر بعض المستأجرين أو استمرار المنازعات القضائية، بينما تظل الضريبة العقارية واجبة الأداء، وهو ما يفرض أعباء إضافية على المالك رغم عدم تحقق أي عائد فعلي.

ومن زاوية أخرى، فإن إخضاع العقار للضريبة العقارية، ثم إخضاع الدخل الناتج عن تأجيره لضريبة أخرى، يثير تساؤلات تستحق الدراسة حول كيفية تحقيق التوازن بين أنواع الضرائب المختلفة، بما يمنع تكرار الأعباء على المواطن دون الإضرار بحق الدولة في تحصيل مستحقاتها.

ومن هنا، فإنني أرى أن الوقت قد حان لإعادة دراسة معايير الإعفاء، بحيث تعتمد على القيمة الإجمالية للعقارات المخصصة للسكن الخاص، إلى جانب المساحة وطبيعة الاستخدام والقدرة المالية للممول، بدلاً من الاعتماد على معيار قد يؤدي في بعض الحالات إلى نتائج لا تحقق العدالة الكاملة.

كما أقترح إنشاء لجنة دائمة للنظر في الحالات الإنسانية والاستثنائية، خاصة أصحاب المعاشات، ومحدودي الدخل، ومن يمتلكون وحدات غير مستغلة لا تحقق لهم أي دخل، حتى تكون المنظومة أكثر مرونة وإنصافًا.

فالهدف ليس إلغاء الضريبة العقارية، ولا الانتقاص من حق الدولة في مواردها، وإنما الوصول إلى منظومة أكثر عدالة، تجعل المواطن يشعر بأن القانون ينظر إلى ظروفه الحقيقية، ويطبق معايير موحدة على الجميع دون تمييز.

إن المواطن المصري أثبت على مدار السنوات الماضية أنه شريك في بناء الدولة، وتحمل الكثير من الإصلاحات الاقتصادية إيمانًا بمستقبل أفضل.

ومن حقه اليوم أن يرى انعكاس هذا الصبر في تشريعات أكثر مرونة، وأكثر التصاقًا بالواقع، وأكثر قدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية التي نص عليها الدستور.

فالضريبة العادلة لا تُقاس بحجم الحصيلة فقط، وإنما تُقاس بمدى اقتناع المواطن بعدالتها. وعندما يشعر المواطن بأن القانون يساوي بين الجميع، ويراعي ظروفه، ويوازن بين حق الدولة وحقه في الحياة الكريمة، فإن الالتزام الضريبي يتحول من واجب مفروض إلى مسؤولية وطنية يشارك فيها الجميع عن اقتناع، لتظل العدالة الضريبية إحدى الركائز الأساسية لبناء الجمهورية الجديدة التي تقوم على الإنصاف وسيادة القانون وتحقيق التنمية المستدامة.

تم نسخ الرابط