عاجل

أثبتت تجارب التنمية الحديثة أن بناء الاقتصادات القوية لا يعتمد فقط على توافر الموارد الطبيعية أو حجم الاستثمارات، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الدولة على بناء مؤسسات فعالة تستطيع تحويل الخطط إلى نتائج، وإدارة الموارد بكفاءة، وتحقيق التوازن بين سرعة الإنجاز ومتطلبات الحوكمة.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة مشروع إعادة تنظيم جهاز " مستقبل مصر للتنمية المستدامة"  باعتباره جزءًا من عملية أوسع تهدف إلى تطوير أدوات الدولة الاقتصادية والتنموية، وليس مجرد تعديل في هيكل إداري قائم .
إن التحدي الرئيسي أمام الدول التي تواكب مراحل النمو والبناء  لا يتمثل فقط في إطلاق المشروعات، وإنما في بناء مؤسسات قادرة على إدارتها بكفاءة وتحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وتتأسس فكرة " الدولة التنموية"  التي ظهرت في عدد من التجارب الآسيوية الناجحة على وجود دولة تمتلك رؤية استراتيجية طويلة الأجل، ومؤسسات تنفيذية قادرة على التنسيق بين السياسات العامة والقطاع الإنتاجي، مع الحفاظ على دور القطاع الخاص باعتباره شريكًا أساسيًا في النمو. 
من هذه الزاوية، يأتي تطوير جهاز " مستقبل مصر"  في سياق البحث عن آليات أكثر مرونة لإدارة الملفات الاقتصادية ذات الأولوية.
أولا : الإطار القانوني الجديد :  نحو مؤسسة ذات طبيعة استراتيجية
يستهدف مشروع القانون الخاص بإعادة تنظيم جهاز " مستقبل مصر للتنمية المستدامة "  إنشاء إطار مؤسسي أكثر مرونة، يمنح الجهاز الشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، بما يسمح له بأداء مهامه بصورة أكثر كفاءة في مجالات التنمية والاستثمار وإدارة المشروعات.
كما يمنح مشروع  القانون الجهاز صلاحيات تتعلق بتنفيذ المشروعات الاستراتيجية، وإنشاء الشركات أو المساهمة فيها، وإقامة شراكات مع مختلف الجهات، وإدارة الأصول المرتبطة باختصاصاته، بما يعكس توجهًا نحو الانتقال من " الإدارة التقليدية "  للموارد إلى نموذج يركز على تعظيم القيمة الاقتصادية لهذه الموارد.
ويضم الهيكل التنظيمي للجهاز رئيسًا يتولى إدارة العمل التنفيذي، ومجلس إدارة يضع السياسات العامة ويعتمد الخطط والبرامج، إلى جانب قطاعات متخصصة في مجالات الزراعة، والصناعة، والاستثمار، والخدمات اللوجستية، والتجارة، وإدارة الأصول، وغيرها من المجالات المرتبطة بالتنمية المستدامة.
ثانيا التبعية للسيد رئيس الجمهورية : دعم استراتيجي ومسألة  الحوكمة : 
من أبرز ملامح مشروع القانون تبعية الجهاز للسيد رئيس الجمهورية، وهو تنظيم يعكس الطبيعة الاستراتيجية للمهام التي يتولاها، خاصة في الملفات المرتبطة بالأمن الغذائي، واستصلاح الأراضي، وتعظيم الاستفادة من أصول الدولة، وتنفيذ المشروعات القومية الكبرى.
ومن الناحية المؤسسية، يمكن أن توفر هذه التبعية عددًا من المزايا المهمة، في مقدمتها : القدرة على التنسيق بين مختلف أجهزة الدولة، وحسم الملفات التي تتطلب تعاونًا بين وزارات وهيئات متعددة، وتقليل الفترات الزمنية اللازمة لاتخاذ القرارات المرتبطة بالمشروعات الكبرى.
كما تمنح هذه الصيغة درجة أكبر من الاستمرارية للمشروعات طويلة الأجل، وهي نقطة مهمة في السياسات التنموية التي تتطلب سنوات من التخطيط والتنفيذ قبل ظهور نتائجها الاقتصادية الكاملة.
وتشير تجارب دولية عديدة إلى أن وجود مؤسسات قوية مرتبطة بمراكز اتخاذ القرار كان أحد عوامل نجاح عدد من التجارب التنموية، كما حدث في كوريا الجنوبية خلال مراحل التصنيع الأولى، حيث لعبت المؤسسات الحكومية المتخصصة دورًا في تنسيق السياسات الصناعية والاستثمارية، وكذلك في سنغافورة التي اعتمدت على مؤسسات اقتصادية تتمتع بقدر كبير من الكفاءة والاستقلال التشغيلي.
لكن هذه التجارب تؤكد في الوقت ذاته أن قوة المؤسسة لا تقاس فقط بمستوى الدعم السياسي الذي تحظى به، وإنما بقدرتها على العمل وفق قواعد واضحة للحوكمة، وتقييم الأداء، والمساءلة.
ثالثا : الأمن الغذائي وتعظيم الموارد :  أبرز مجالات العمل
يأتي ملف الأمن الغذائي في مقدمة المجالات التي يُتوقع أن يسهم فيها الجهاز، في ظل التحديات العالمية المتعلقة باضطراب الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد ،  فالتوسع في الإنتاج الزراعي، وتطوير نظم الري، وإنشاء مجتمعات إنتاجية متكاملة، وتحسين التخزين والنقل والتصنيع الزراعي، تمثل جميعها عناصر رئيسية في بناء منظومة غذائية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
كما يمثل تعظيم الاستفادة من أصول الدولة أحد المحاور المهمة في فلسفة إنشاء وتطوير المؤسسات الاقتصادية الحديثة. فالأصول العامة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد ممتلكات، وإنما باعتبارها " موارد " يمكن توظيفها لتحقيق عوائد اقتصادية وتنموية إذا ما أُديرت وفق أسس احترافية.
وفي هذا الإطار، فإن نجاح الجهاز سيقاس بقدرته على تحويل الموارد المتاحة إلى مشروعات منتجة تحقق قيمة مضافة، وليس فقط بحجم الأنشطة التي يقوم بها.
رابعا : الانعكاس على الاقتصاد والمواطن
يمكن أن يحقق تطوير الجهاز عددًا من الآثار الاقتصادية الإيجابية إذا نجح في تنفيذ أهدافه، من بينها زيادة الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، ودعم الصناعات المرتبطة بالمشروعات الزراعية والإنتاجية، وجذب استثمارات جديدة.
كما يمكن أن يسهم في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، سواء من خلال المشروعات التي ينفذها الجهاز أو عبر الأنشطة الاقتصادية التي تنشأ حولها، بما يدعم التشغيل ويحسن مستويات الدخل.
أما بالنسبة للمواطن، فإن المعيار الحقيقي لنجاح أي مؤسسة تنموية لا يتمثل في حجمها أو صلاحياتها، وإنما في قدرتها على تحقيق أثر ملموس في الحياة اليومية، من خلال استقرار الأسواق، وتحسين توافر السلع، وزيادة فرص العمل، وتحسين جودة الخدمات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي.
خامسا : القطاع الخاص :  شريك لا بديل
تظل العلاقة مع القطاع الخاص أحد الملفات المهمة في تقييم تجربة الجهاز ،  فالنماذج التنموية الحديثة تؤكد أن الدولة الناجحة ليست التي تحل محل السوق، وإنما التي تهيئ البيئة المناسبة للنمو والاستثمار، وتعمل على بناء شراكات فعالة مع القطاع الخاص.
وفي التجربة الإماراتية، على سبيل المثال، لعبت المؤسسات الحكومية الاقتصادية دورًا مهمًا في تأسيس مشروعات استراتيجية وجذب الاستثمارات العالمية، بالتوازي مع تطوير بيئة أعمال تنافسية وتشجيع القطاع الخاص. كما اعتمدت تجارب آسيوية ناجحة على نموذج الشراكة بين الدولة والمستثمرين لتحقيق أهداف التصنيع والنمو.
ومن ثم، فإن نجاح جهاز " مستقبل مصر "  سيكون مرتبطًا بقدرته على أن يكون " منصة " محفزة للاستثمار، وأن يفتح المجال أمام شراكات إنتاجية تحقق التكامل بين قدرات الدولة وخبرات القطاع الخاص.
سادسا : التحديات المحتملة  :  أهمية وضوح الاختصاصات والرقابة
على الرغم من الفرص التي يتيحها تطوير الجهاز، فإن هناك عددًا من التحديات التي ينبغي التعامل معها لضمان نجاح التجربة ،  يأتي في مقدمتها : ضرورة تحديد العلاقة المؤسسية بين الجهاز والوزارات والهيئات القائمة، بما يمنع تداخل الاختصاصات أو ازدواجية الأدوار.
كما تبرز أهمية بناء نظام متكامل " للحوكمة "  يتناسب مع حجم الصلاحيات الممنوحة للجهاز، من خلال تقارير دورية للأداء، ومؤشرات واضحة للإنجاز، وآليات فعالة للمراجعة والتقييم.
وتشير الخبرات الدولية إلى أن المؤسسات ذات الصلاحيات الواسعة تحقق أفضل نتائجها عندما تكون أهدافها محددة، ونتائجها قابلة للقياس، وأداؤها خاضعًا للتقييم المستمر.
سابعا : من قوة الصلاحيات إلى قوة النتائج
يمثل تطوير جهاز " مستقبل مصر للتنمية المستدامة "  محاولة لبناء  " كيان مؤسسي جديد قادر على التعامل مع ملفات اقتصادية وتنموية ذات أهمية استراتيجية ، وتوفر تبعية الجهاز للسيد رئيس الجمهورية، إلى جانب الصلاحيات التي يمنحها مشروع القانون، فرصة لتعزيز سرعة التنفيذ وتحقيق قدر أكبر من التنسيق بين مؤسسات الدولة.
لكن التجربة سوف تُقاس في النهاية بقدرتها على تحقيق النتائج، وليس فقط بما يمنحه القانون من صلاحيات ، فالمؤسسات الناجحة ليست تلك التي تمتلك أكبر قدر من الاختصاصات، وإنما تلك التي تستطيع تحويل هذه الاختصاصات إلى " قيمة "  اقتصادية وتنموية حقيقية.
وبينما تقدم تجارب دولية مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة والإمارات دروسًا مهمة حول أهمية المؤسسات الفعالة في تحقيق التنمية، فإن نجاح أي نموذج يظل مرتبطًا بخصوصية كل دولة وقدرتها على بناء منظومة تجمع بين الرؤية الاستراتيجية، والكفاءة التنفيذية، والحوكمة الرشيدة.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن جهاز " مستقبل مصر للتنمية المستدامة " يمثل اختبارًا مهمًا لقدرة الدولة المصرية على تطوير نموذج مؤسسي جديد يجمع بين سرعة الإنجاز ومتطلبات الإدارة الحديثة، ويجعل التنمية المستدامة واقعًا اقتصاديًا يشعر المواطن بنتائجه، وتستفيد الدولة من عوائده على المدى الطويل.
 

تم نسخ الرابط