عاجل

يشتكي كثير من أولياء الأمور من صعوبة التعامل مع أبنائهم خاصة الشباب في مرحلة التعليم الثانوي والجامعي، وهم الفئة العمرية التي تنتمي الآن إلى جيل زد، هذا الجيل الذي نشأ أفراده في أواخر التسعينات إلى أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة، ولعل هذه الصعوبة ترجع إلى الفارق الثقافي الكبير نسبيا بين هذا الجيل والأجيال السابقة عليه. 

تُطلق تسمية جيل زد على هؤلاء الشباب الذين تتراوح أعمارهم اليوم من 16 إلى 28 سنة تقريبا، وتتضح الإشكالية المتعلقة بالتربية، في هؤلاء الذين لم يبلغوا العشرين، جيل حضر في نشأته الأولى ثورة الإنترنت بالكامل، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومنصات البث الرقمي للأعمال الفنية، ولذلك يوصفون بأنهم "جيل رقمي بالكامل"  فأصبحت ثقافتهم أكثر عالمية وذابت كثير من الفوارق التي صلة بالثقافة المحلية، ومن مميزات هذا الجيل تسلحهم بالمعرفة على صغر السن، وشدة شوقهم وسعيهم للتعلم، وعد الحرج أو الخوف من السؤال، ومن تبعات ذلك وجود مساحة أكبر من التمرد في سلوكياتهم على العادات الثقافية والاجتماعية الموروثة، والتي يأتي على رأسها مساحة الانقياد والطاعة لأولياء الأمور والاستماع إلى توجيهاتهم، ومدى تقبلهم للإرشاد الأسرى وثورتهم على كثير من الأعراف التي نشأ عليها آباؤهم.

في تقرير لمركز بيو للأبحاث في الولايات المتحدة، أظهر استطلاع للرأي وجود مشاعر كبيرة لدى أفراد هذا الجيل بالتشتت، والاغتراب خاصة في المجتمعات النامية التي لم تواكب التطور التكنولوجي وربما يعود السبب في ذلك لعدم قدرة أولياء الأمور على مواكبة هذا التطور ومشاركة الأبناء اهتماماتهم الرقمية، ومعرفة مصادر المعرفة لديهم، خاصة مع حالة السيولة الثقافية الشديدة التي تسببت فيها الفردانية الموجودة في الدول الرأسمالية، والتي تكون صناعة الميديا فيها شديدة التطور وشديدة الغزارة ومُحمّلة بأفكار متباينة وأحيانا قد تكون شديدة الغرابة مما يُلقي بتحدي كبير على أولياء الأمور في التعامل مع ما يُلقى في عقول أولادهم.

ومن سمات هذا الجيل التي ربما لا ينتبه إليها الآباء والأمهات هو الاحتياج العاطفي الشديد للشعور بالحب والاهتمام والتقدير، وللأسف بعض أولياء الأمور يظنون توفير الاحتياجات المادية للأسرة مسؤوليتهم الوحيدة، دون تقديم الدعم النفسي والعاطفي والمؤازرة الوجدانية المستمرة للأولاد، خاصة مع وجود مشاعر الاغتراب والتشتت التي أشرنا إليها عند هؤلاء الأطفال.

إذا رجعنا للسنة النبوية المشرفة وجدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم كان شديد الاهتمام بإظهار الاحترام والمحبة لشباب الصحابة مع كثرة انشغاله بأمور الدعوة، وما كان يتعرض له من الأذى في بدايتها، فقد روى أبو داود في سننه والطبراني في معجمه، عن معاذ بن جبل -وكان من شباب الصحابة -أنه قال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: «إني لأحبك يا معاذ»، فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «فلا تدع أن تقول في كل صلاة: رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». فالحبيب صلى الله عليه وسلم كان من أكثر الناس إظهارا لمحبته لأصحابه وزوجاته، ولم يكن يتحرج من ذلك، لما في ذلك من الأثر الكبير في ملء قلوب أصحابه بالسعادة والفخر، وقبول النصيحة والثقة بالنفس، وهو منهج نبوي رشيد نحن أشد ما نحتاج إليه اليوم مع أولادنا.

ومن سمات هذا الجيل والتي لا يفهمها بعض الآباء أن تأثير النصيحة والإرشاد عليهم لا يكون بالطريقة المباشرة القائمة على ذكر افعل ولا تفعل، وإنما تكون طرق التربية الأنفع معهم هو التربية بالحال قبل المقال، والتربية بالصحبة، والتربية بالمثال، والتربية بالإقناع، فلم تعد تصلح عند قطاعات منهم الأوامر المباشرة خاصة إن كانت غير مفهومة.

والحقيقة أن طريقة التربية بمدح الابن أو الشاب والثناء عليه وتوجيهه بشكل غير مباشر لا يتعارض مع الهدي النبوي، بل كان الحبيب صلى الله عليه وسلم، إذا أراد أن يذم فعلا لا يواجه أصحابه بما يكرهون بل يستخدم التورية، ويقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا»، وكان من جميل طريقته صلى الله عليه وسلم في نصيحة شباب الصحابة أنه كان يثني عليهم قبل النصيحة، ويكون توجيهه لطيفا، ويتخير الأوقات المناسبة، للوعظ، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر، أنه رأى رؤيا وهو نائم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكاها لأخته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، فحكتها حفصة للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمع النبي رؤيا عبد الله بن عمر قال له: نعم الرجل عبد الله بن عمر لو كان يصلي من الليل» ففي هذه الطريقة النبوية الجميلة بدأ الحبيب صلى الله عليه وسلم نصيحته لعبد الله بن عمر بأن أثنى عليه ومدحه، فقال نعم الرجل عبد الله بن عمر، ولم يوجه إليه أمرا مباشرا، بل ربط ربطا لطيفا بين الرجولة وقيام الليل، ولذلك قال نافع في نهاية الحديث: فكان عبد الله بن عمر بعد ذلك ينام من الليل إلا قليلا.

إن هذا الجيل يمتلئ بطاقات ومهارات عظيمة والأهم من ذلك هو نفوسهم الصافية المتوهجة للمعرفة وللإنتاج، وإن نحن أحسنا استثمار وإطلاق هذه الطاقات فسوف نقدم خدمة عظيمة لأولادنا ولوطننا، فهؤلاء الشباب أمانة في أعناقنا، ورحم الله من حفظ الأمانة.

تم نسخ الرابط