أهذا هو كأس العالم حقًا؟ أهذا هو الحلم الذي راودنا منذ ستة وثلاثين عامًا، منذ أيام كأس العالم في إيطاليا عام 1990، حين تمنينا أن نصبح من المنتخبات التي تتأهل باستمرار إلى المونديال؟
وعندما تحقق الحلم أخيرًا في عام 2018، بعد أن تذوقنا طعم المجد بثلاث بطولات قارية متتالية مع المعلم حسن شحاتة، وبعد أن تغير عالم كرة القدم، وعدنا مجددًا إلى المدرب الوطني ممثلًا في الكابتن حسام حسن، ويكفي أن أقول: وطنيته؛ لأن كرة القدم في نهاية المطاف ليست مجرد لعبة.
كان حلمنا أن نتجاوز دور المجموعات، وأن ندخل إلى عالم الكبار، وأن نرى بأنفسنا ما الذي يوجد هناك عند تلك المنتخبات العظيمة. وحين اقتربنا من ذلك الحلم، وعشنا حتى الدقيقة الثمانين حالة لم نعهدها من قبل، اكتشفنا أن ما يوجد هناك قد رأيناه كاملًا في مباراة الأرجنتين، وليتنا ما رأيناه، ولكنه القدر.
لقد شاهدنا أبناءنا يخوضون المباراة في ملعبٍ أحاطت به العنصرية من كل جانب؛ منافس، وحكم، وجمهور يسيطر على المدرجات. ولذلك لا بد من امتلاك مصدر قوة آخر إلى جانب الروح والمهارة، أو أن تخوض التجربة مرة بعد أخرى، فتفعل ما عليك، وتكتب، وتصرخ، وتنتظر أن تتحسن الأحوال.
ولعل هذه المباراة، بكل ما حملته من مرارة، كانت درسًا لا يقل قيمة عن أي انتصار. فقد كشفت لنا أن الوصول إلى الصفوف الأولى لا يتحقق بالموهبة وحدها، بل يحتاج إلى تراكم الخبرات، وإلى منظومة تعرف كيف تدافع عن حقوقها داخل الملعب وخارجه. فالمنتخبات الكبرى لا تكتفي بإعداد لاعبيها، وإنما تبني مؤسسات قادرة على حماية مصالحها، وصناعة حضورها في كل تفاصيل اللعبة. وربما كانت هذه التجربة القاسية خطوة جديدة في طريق طويل، لا ينبغي أن يدفعنا الإحباط إلى التراجع عنه، بل إلى الإيمان بأن البناء الحقيقي يبدأ من الدروس المؤلمة قبل الأفراح الكبيرة.
لقد شعرنا، نحن العرب، بمرارة الظلم؛ لأنه جاءنا في صورة سرقة فرحة كنا نستحقها.
وأكاد أجزم بأنه لم يوجد منتخب التفت حوله أمة بأكملها كما التف العرب حول المنتخب المصري، كما أن صدمة العالم من أحداث مباراة مصر والأرجنتين في أكبر بطولات اللعبة كانت خير دليل على ذلك.
أما ما فعله الكابتن حسام، ذلك الرجل الشجاع ابن البلد الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، والذي كان يعود إلى الله بالشكر مع أول فرحة وُلدت من رحم المستحيل، وهي الفرحة التي شعرنا بها جميعًا، فسيظل محل تقدير واحترام.
وربما بالغنا أحيانًا في الاحتفال والهتاف، ونسينا أن نقول: الحمد لله، ولا مشكلة في ذلك. لكن المشكلة الحقيقية أن نظن أن الاجتهاد والالتزام يضمنان دائمًا الوصول إلى الأحلام، بينما قد يحول الله بين الإنسان وبين ما يتمنى لحكمة يعلمها وحده، وكثيرًا ما يكون في المنع خير، ولعل ذلك اختبار لصبر الإنسان ورضاه.
وإذا كانت كرة القدم تعلم الشعوب شيئًا، فهي أن الهزيمة ليست نهاية الطريق، وأن الأمم الكبيرة لا تُقاس بمباراة واحدة، وإنما بقدرتها على النهوض بعد العثرات، وتحويل الإخفاق إلى خبرة، والظلم إلى دافع، والحلم إلى مشروع مستمر لا يتوقف عند بطولة أو نتيجة. وما دام في هذا الوطن رجال يقاتلون بإخلاص، وجماهير تؤمن بفريقها حتى اللحظة الأخيرة، فإن الأمل سيظل حاضرًا، وسيبقى الإيمان بالغد أقوى من مرارة اليوم.
والخير قادم بإذن الله.
تحيةً لرجال بعثة بلدنا في كأس العالم، فقد ربحنا بكم احترام الأمم وتقدير الشعوب المحترمة.