مصر نموذج للاستقرار في المنطقة.. خبراء يكشفون أسباب قوة الدولة
في وقت تشهد فيه سوريا استمرارًا لحالة من الاضطراب الأمني والسياسي، تتجدد المقارنات بين أوضاعها وأوضاع دول المنطقة، وعلى رأسها مصر.
ويرى خبراء في الشؤون السياسية والأمنية أن الفارق بين البلدين لا يرتبط فقط بالوضع الراهن، وإنما بطبيعة مؤسسات الدولة، وقدرتها على فرض سيادة القانون، إلى جانب دور القوات المسلحة والتفاف المواطنين حول مؤسساتهم، مؤكدين أن استمرار نفوذ الميليشيات في سوريا يمثل أحد أبرز العوائق أمام تحقيق الاستقرار.
لا مقارنة بين مصر وسوريا
أكد الدكتور سعيد عكاشة، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أنه لا توجد مقارنة بين الأوضاع الأمنية في مصر وسوريا، مشيرًا إلى أن سوريا ما زالت تعاني من حالة انهيار وتسيطر عليها الميليشيات، بينما تمتلك مصر مؤسسات دولة راسخة وجيشًا قويًا، وهو ما ينعكس على مستوى الاستقرار والأمن.
وقال عكاشة، في تصريحات لـ"نيوز رووم"، إن سوريا "بلد منهارة"، مضيفًا أن الشارع فيها يمثل الميليشيات أكثر مما يمثل الدولة، في حين أن مصر دولة تمتلك مؤسسات مستقرة وجيشًا يُعد من أقوى جيوش العالم.
زيارة ماكرون تكشف استمرار الفوضى
وأضاف عكاشة أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا ترتبط بالوجود التاريخي للنفوذ الفرنسي في سوريا ولبنان، مشيرًا إلى أنه كان من المفترض أن تحظى الزيارة بتأمين أكبر، إلا أن الانفجارات التي وقعت، رغم بعدها نسبيًا عن مقر إقامة الرئيس الفرنسي، تعكس استمرار حالة الفوضى، وتؤكد أن الميليشيات ما زالت تمثل الطرف الأكثر تأثيرًا في معادلة الحكم هناك.
كيف نجحت مصر في مواجهة الإرهاب؟
وأوضح عكاشة أن مصر نجحت بصورة كبيرة في مواجهة الإرهاب والقضاء عليه خلال فترة قصيرة، رغم أن التنظيمات الإرهابية التي واجهتها كانت، بحسب وصفه، أقوى وأكثر دعمًا من مثيلاتها في مناطق أخرى بالشرق الأوسط.
وأشار إلى أن تلك التنظيمات كانت تتلقى دعمًا من أجهزة مخابرات وتمتلك القدرة على استغلال المساحات الصحراوية، إلا أن قوة مؤسسات الدولة، إلى جانب مساندة الشعب المصري، أسهما في تحقيق هذا النجاح.
الأمن مفتاح جذب الاستثمارات
وأكد عكاشة أن الاستقرار الأمني يمثل العامل الأول لجذب الاستثمارات، موضحًا أن تدفق الاستثمارات من الإمارات وقطر والسعودية، إلى جانب شركات أوروبية وأمريكية، يعكس ثقة المستثمرين في استقرار الأوضاع داخل مصر.
الميليشيات تعرقل استقرار سوريا
من جانبه، قال اللواء محمد رشاد، وكيل المخابرات العامة الأسبق، إن تحقيق الاستقرار في سوريا يظل أمرًا بالغ الصعوبة في ظل استمرار الصراع بين النظام القديم والنظام الجديد، معتبرًا أن المشهد الحالي تحكمه مجموعات وميليشيات تتصارع فيما بينها لتحقيق مصالحها وأهدافها.
وأوضح أن كل ميليشيا تسعى إلى تثبيت نفوذها والحصول على نصيبها من السلطة باعتبارها قامت بدور في التغيير، مضيفًا أن وجود الميليشيات يعني غياب الضبط والسيطرة والمؤسسات القادرة على إدارة الدولة، وهو ما يجعل الأوضاع في سوريا تشهد حالة من الصعود والهبوط بصورة مستمرة.
مؤسسات الدولة شرط للاستقرار
وأضاف رشاد أن سوريا لن تشهد استقرارًا، وفق تقديره، إلا عندما تقوم مؤسسات دولة بعيدة عن الاتجاهات الدينية، مشيرًا إلى أن الجمع بين الدين والسياسة لا يقود إلى نتائج سياسية مستقرة، وأن الجماعات ذات المرجعية الدينية تمتلك، بحسب وصفه، امتدادات وأبعادًا تتجاوز حدود الدولة.
طلب الدعم الخارجي
وأشار إلى أن الأنظمة ذات المرجعية الدينية، وفق رأيه، تلجأ إلى البحث عن دعم أو حماية من قوى كبرى أو قوى إقليمية، لافتًا إلى أن سوريا تتجه إلى طلب الدعم من الولايات المتحدة، في حين تحاول السعودية تقديم الدعم لها، معتبرًا أن هذه الأنظمة تكون أكثر هشاشة، وأن أولوياتها تتركز على حماية المجموعة الحاكمة أكثر من مراعاة مصالح المواطنين.
ورأى رشاد أن استمرار هذا الوضع في سوريا مرجح خلال المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن ظهور قوى جديدة قادرة على إعادة الانضباط يحتاج إلى وقت طويل، مع اعتقاده بأن النظام الحالي لن يسمح بسهولة بظهور مثل هذه القوى.
لماذا تبدو مصر أكثر استقرارًا؟
وفيما يتعلق بالأوضاع الأمنية في مصر مقارنة بدول المنطقة، قال اللواء محمد رشاد إن مصر تختلف عن العديد من الدول الأخرى بسبب تاريخها الممتد لآلاف السنين، معتبرًا أن هذا التاريخ أسهم في ترسيخ حالة من الاستقرار داخل الدولة.
وأضاف أن الدول التي نشأت على أساس قبلي تكون، من وجهة نظره، أكثر هشاشة، بينما تمتلك مصر مؤسسات راسخة ومجتمعًا اعتاد الاستقرار، مشيرًا إلى أن الاستثناء الوحيد الذي وصفه بأنه أحدث اضطرابًا كان تجربة جماعة الإخوان المسلمين.
وأكد أن الأمن في مصر، بحسب تعبيره، هو "أمن شعبي"، معتبرًا أن الشعب المصري يلعب الدور الرئيسي في الحفاظ على استقرار الدولة.
رؤية رشاد للقوى الدولية ومصر
وعن نظرة المجتمع الدولي إلى مصر، قال وكيل المخابرات العامة الأسبق إن مصر تتمتع بمكانة خاصة لدى القوى الدولية، مضيفًا أن أول درس تلقاه خلال عمله في المخابرات العامة، بحسب قوله، هو أن "دول الشرق والغرب لا تتمنى أن ترى مصر واقفة على قدميها".
وأضاف أن تلك القوى، وفق رؤيته، ترى أن صعود مصر يمثل مشكلة لها، كما أن هبوطها يمثل مشكلة أيضًا، ولذلك تفضل بقاءها في وضع متوسط "لا تصعد ولا تهبط".
وأرجع رشاد ذلك إلى ما وصفه بخصوصية الشخصية المصرية، معتبرًا أن العالم لم يتمكن من وضع "كتالوج" لها كما حدث مع دول أخرى، وهو ما يدفع، بحسب رأيه، إلى التعامل معها بحذر والإبقاء عليها في وضع لا يجعلها قوية بصورة كاملة ولا ضعيفة بصورة كاملة.