بالتأكيد لن يهتم أي مشجع كروي أصيل بتاريخ الكرة في بلده، أو في البلد المنافس له، قدر اهتمامه بنتيجة المباراة.
لكن، بما أنني لست شخصًا كرويًا، وإنما مجرد منجذبة إلى تلك الأجواء الحماسية المبهجة التي تفرضها المباريات، فقد وجدت نفسي أفتش في تاريخ الكرة الأرجنتينية ونظيرتها المصرية. ويا للعجب... اكتشفت أن البلدين عرفا اللعبة، تقريبًا، في الفترة التاريخية نفسها، وبالطريقة نفسها أيضًا، حيث حملها إليهما البريطانيون في أواخر القرن التاسع عشر. كانت في البداية لعبة يمارسها الأجانب داخل مدارسهم وأنديتهم المغلقة، ثم قفزت سريعًا إلى الشوارع، وانتقلت من ملاعب الصفوة إلى الساحات الشعبية، لتتناقلها أقدام الفقراء، وتحتضنها قلوب الجماهير... لكن هنا افترق الطريق.
في الأرجنتين، انتشرت اللعبة أفقيًا. ظهرت آلاف الأندية المجتمعية في المدن والبلدات والأحياء، ولم تكن مجرد فرق تسعى إلى الفوز، بل مؤسسات اجتماعية يتعلم فيها الأطفال، وتلتقي فيها الأسر، ويُكتشف فيها الموهوبون. تشكلت شبكة واسعة تبدأ بطفل في السابعة داخل نادٍ صغير، ثم تقوده خطوة بعد أخرى إلى منتخبات الناشئين، وصولًا إلى المنتخب الأول.
أما في مصر، فكعادة أشياء كثيرة، اصطبغت اللعبة بصبغة مركزية. أصبح حلم الطفل يدور حول الوصول إلى عدد محدود من الأندية الكبرى، وتحولت الأنظار إلى القمة أكثر من القاعدة.
فالفارق بين البلدين ليس في وفرة المواهب، ولا عددها، وإنما في طريقة إدارتها. ففي الأرجنتين يمارس مئات الآلاف من الأطفال كرة القدم داخل منظومة مرتبة، ويخضع فيها آلاف اللاعبين للمتابعة كل عام. وفي حين لا ترى الكاميرات سوى النجوم، أمثال ميسي، فإن المنظومة ترى عشرات الآلاف الذين يجب أن يحصل كل واحد منهم على فرصة عادلة.
وحتى لا يصبح اكتشاف الموهبة وليد الصدفة، أو الجهد الفردي للعائلة، أنشأ الاتحاد الأرجنتيني إدارة مستقلة للكشافين، تتابع الأطفال في مختلف الأقاليم، وترصد اللاعبين الأرجنتينيين في الخارج، وتبني قواعد بيانات دقيقة، وتهتم بالجوانب النفسية والاجتماعية إلى جانب المهارات الفنية.
وفي الوقت نفسه، لا يقتصر التطوير على اللاعبين، بل يشمل المدربين، والكشافين، ومعدّي اللياقة، حتى يعمل الجميع باللغة الفنية نفسها، والفلسفة نفسها. ولهذا أيضًا، تلعب منتخبات الأرجنتين، بمختلف فئاتها العمرية، وفق المبادئ ذاتها؛ من منتخبات الناشئين إلى المنتخب الأول، فلا يشعر اللاعب أنه يبدأ من جديد كلما صعد مرحلة، وإنما يواصل السير في الطريق نفسه.
وهنا يظهر الفارق بين مجتمع ينتظر البطل، ومجتمع يبني طريقًا للأبطال، يبني منظومته على افتراض أن الطفل المجهول، الذي يتدرب الآن في قرية صغيرة أو حي فقير، يستحق هو الآخر فرصة كاملة. لا أحد يعرف اسمه اليوم، ولا أحد يضمن أنه سيكون ميسي القادم، لكن المنظومة لا تُقام من أجل ميسي، بل من أجل هذا الطفل.
ولعل هذا هو الدرس الذي يتجاوز كرة القدم. فالأمم لا تتقدم لأنها أنجبت عبقريًا، بل لأنها بنت منظومة تجعل ظهور العباقرة أمرًا قابلًا للتكرار. وإذا كان محمد صلاح وميسي هما الواجهة التي يراها العالم، فإن السؤال الحقيقي يظل: ماذا يوجد خلف الواجهة؟ هناك، في التفاصيل الصغيرة، وفي الملاعب المتواضعة، وفي المدرب الذي يعمل بصمت، وفي الطفل الذي يتدرب كل مساء دون أن يعرفه أحد... يبدأ المستقبل.
عزيزي المشجع الكروي المتحمس، المترقب لنتيجة المباراة... استمتع بالتسعين دقيقة، وشجع منتخبك، الذي يقدم أفضل أداء له في تاريخ البطولة.
لكن، إن كنت تريد أكثر من مجرد مباراة مثيرة، ومشاركة مشرفة، فلا بأس من بعض التحليل والتقصي لأحوال الكرة في بلاد تواجه، مثلنا، تحديات اجتماعية واقتصادية تجعلها لا تُحسب، بأي حال، على دول العالم الأول.
ومع هذا، استطاعت أن تبني منظومة تأخذ بأسباب النجاح، بدلًا من انتظار الصدفة، والاحتفاء باللاعب الفلتة.
أخيرًا، عزيزي حسام حسن...
من مشجعة غير كروية بالمرة... أيًّا كانت نتيجة هذا الماتش، فقد بذلت مجهودًا كبيرًا، وقطعت شوطًا معتبرًا. استكمل ما بدأته، وأسس منظومة محترمة، وتعلم من الآخرين كيف يصنع النجاح، فليس علينا دائمًا أن نعيش في مرحلة اختراع العجلة.