إن أخطر ما يفعله الألم بالإنسان ليس أن يُبكيه… بل أن يقطع صلته بالله.
أما القلوب الصادقة، فكلما أثقلها الوجع، حملته إلى الله لا بعيدًا عنه.
فهناك فرقٌ كبير بين قلبٍ يشتكي من الله… وقلبٍ يشتكي إلى الله، الأول يزداد بُعدًا، أما الثاني فيزداد قربًا ورحمةً وطمأنينة.
وسيدنا يعقوب (عليه السلام) يعلّمنا أن القلب المؤمن قد يحزن… لكنه لا ينقطع.
فهذا موقف سيدنا يعقوب (عليه السلام)، حين قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾، فلم ينكر حزنه، لكنه لم يسمح له أن يتحول إلى يأس، فالشكاية إلى الله اتصال، أما الشكوى من الله فهي انقطاع.
هذه الكلمة من سيدنا يعقوب (عليه السلام) هي كلمةٌ تفيض صدقًا… وتُعَلّمُ القلبَ كيف يتألّم بلا يأس.
إن سيدنا يعقوب (عليه السلام) لم يقل: لا أحزن، بل قال: أشكو.
فالفرق بينهما أن الحزن شعور، أما الشكوى فهي توجيه هذا الشعور.
وهو لم يشكُ من الله، بل شكا إلى الله. وهنا يتجلّى الفرق الدقيق:
- الشكوى من الله اعتراض
- والشكوى إلى الله عبادة واتصال
وبمزيد تأمّل في كلام سيدنا يعقوب (عليه السلام)، حين قال: (بَثِّي)، نكتشف أن البثّ هو الحزن الذي لا يُحتمل، الذي يتكدّس في الصدر حتى يطلب مخرجًا، أما (وَحُزْنِي) فهو الألم الذي طال أمده وسكن الأعماق (الوجع الممتد).
فسيدنا يعقوب (عليه السلام) لم يُنكر هذا ولا ذاك، لكنه رفض أن يُخرجَهما في غير موضعهما، بل اختار موضعَه الصحيح، فلم يبعثر وجعَه في الطرقات، ولم يحمّله للخلق، بل جمعه كلَّه، ومضى به إلى الله.
كأن الآية الكريمة تقول: لا تحمل وجعَك وحدك، ولا توزّعه على الخلق، خُذْه كلَّه… وضعه بين يدي الله.
إذن ففي هذه الكلمة التي خرجت من سيدنا يعقوب (عليه السلام) درس شفاء بالغ العمق: أن الله لا يطلب منك قلبًا قاسيًا لا يتألم، بل قلبًا صادقًا. قلبًا إذا انكسر، لم يهرب، وإذا حزن، لم يقنط، وإذا ضعف، لم ينقطع.
إن الهزيمة الحقيقية ليست أن تسقط… بل أن تسقط ولا تقوم من الداخل.
واليأس ليس في قلة الحيلة، بل في فقدان الصلة.
فإذا اتصل القلب بالله، صار قويًا ولو ضعف الجسد، وغنيًا ولو خلا اليد، ومطمئنًا ولو اضطرب العالم.
فاتصل بالله (عز وجل) وكن غنيًّا به، ولا تسمح للشدائد أن تأخذك إلى اليأس؛ حتى لا يأخذك اليأس إلى مكان بعيد.
فاللهم لا تقطع بيننا وبينك صلة، ولا تجعل مصائب الدنيا تُنسينا بابك، واجعل قلوبنا ثابتةً بك، مطمئنةً إليك، غنيةً عن الخلق بفيض رحمتك يا أرحم الراحمين.