موسكو مستنزفة وأوكرانيا تنقل المعركة إلى العمق الروسي.. فهل من تسويات قادمة؟
مع تزايد الضربات الأوكرانية داخل العمق الروسي وتعثر التقدم على الجبهات، يواجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واحدة من أصعب مراحل الحرب منذ غزو أوكرانيا في فبراير 2022، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الغربية إلى استغلال هذا الضغط لتعزيز دعم كييف.
وفقا لتقرير لموقع «Atlantic council»، فعندما أطلق بوتين الغزو الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، راهن على حسم سريع يعيد ترسيخ نفوذ موسكو ويكرسها قوة كبرى، لكن بعد أكثر من أربع سنوات، تجد روسيا نفسها منخرطة في أطول وأكبر حرب تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، من دون أن تتمكن من تحقيق أهدافها الأساسية، بينما تشير تطورات ميدانية وسياسية متلاحقة إلى تزايد الضغوط على الكرملين.

في الأشهر الأخيرة، كثفت أوكرانيا هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف عسكرية وصناعية داخل روسيا، مستهدفة منشآت نفطية وقواعد ومراكز لوجستية، في إطار مسعى لإضعاف القدرات العسكرية الروسية ونقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي.
كما شهدت موسكو ومدن روسية أخرى هجمات متكررة، في تطور يعكس اتساع مدى الضربات الأوكرانية وقدرتها على الوصول إلى عمق الأراضي الروسية.

وفي مايو الماضي، اتخذت السلطات الروسية إجراءات أمنية مشددة خلال احتفالات "يوم النصر" في موسكو، وسط مخاوف من هجمات أوكرانية محتملة، وفي يونيو، تعرضت منشآت في سان بطرسبرج لهجمات تزامنت مع انعقاد المنتدى الاقتصادي الدولي، أحد أبرز المناسبات التي يحرص بوتين على توظيفها لإبراز صورة الاستقرار والانفتاح الاقتصادي.
وتقول كييف إن حملتها ضد البنية اللوجستية الروسية تهدف إلى تقويض قدرة موسكو على مواصلة الحرب، بما في ذلك عبر استهداف طرق الإمداد ومرافق تخزين الوقود.
ويشمل ذلك أيضا شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا في 2014، حيث تتحدث أوكرانيا عن ضغوط متزايدة على خطوط الإمداد إلى شبه الجزيرة عبر ضربات متكررة على المسارات والمرافق الحيوية.

على الجبهة، لم تحقق القوات الروسية في عام 2026 اختراقات كبيرة رغم استمرار العمليات القتالية على امتداد خطوط المواجهة، وبينما أعلنت موسكو تحقيق مكاسب محدودة في بعض المحاور، تقول أوكرانيا إنها نفذت هجمات مضادة ناجحة في مناطق أخرى.
وفي موازاة ذلك، لا تزال الخسائر البشرية والعسكرية المرتفعة عاملا ضاغطا على روسيا بعد سنوات من الحرب والاستنزاف.

سياسيا، تواجه موسكو ضغوطا إضافية على الساحة الدولية، في وقت أخفقت فيه محاولاتها في تقليص الدعم الغربي لكييف، فالدول الأوروبية واصلت زيادة مساعداتها العسكرية والمالية لأوكرانيا، بما في ذلك تمويل شراء أسلحة وتقديم دعم مباشر للمجهود الحربي الأوكراني، انطلاقاً من اعتبار الحرب جزءا من معادلة الأمن الأوروبي الأوسع.

في المقابل، لا تشير هذه التطورات إلى اقتراب نهاية الحرب، فروسيا لا تزال تمتلك موارد عسكرية وبشرية كبيرة، كما يواصل الكرملين تشديد قبضته الداخلية، سواء عبر الرقابة أو عبر احتواء أي معارضة محتملة للحرب، كذلك، لا تزال موسكو قادرة على مواصلة العمليات العسكرية، حتى وإن كانت كلفتها السياسية والاقتصادية آخذة في الارتفاع.
وترى أوساط أوكرانية وغربية أن المرحلة الحالية تتطلب زيادة الدعم العسكري لكييف، خصوصا في مجال الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى، إلى جانب تمويل الصناعات الدفاعية الأوكرانية وتشديد العقوبات على روسيا وسد الثغرات التي تسمح لها بالالتفاف عليها.
وبحسب هذا التقدير، فإن الأشهر المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد اتجاه الحرب، في ظل سعي أوكرانيا إلى استثمار الضغط العسكري داخل روسيا، مقابل محاولة موسكو منع تحول هذا الضغط إلى نقطة ضعف استراتيجية تهدد قدرتها على مواصلة القتال بشروطها الحالية.

اتصال مطول بين بوتين وترامب.. أوكرانيا على الطاولة
أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى، السبت الماضي، محادثة هاتفية مطولة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرت أكثر من ساعة، بمبادرة من الجانب الأمريكي، تناولت عددا من القضايا الثنائية والدولية، في مقدمتها الحرب في أوكرانيا، والملف الإيراني، والتطورات في الشرق الأوسط، إلى جانب آفاق التعاون بين موسكو وواشنطن.
وقال مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف إن المكالمة كانت "عملية وبناءة للغاية"، موضحا أن بوتين استهل الاتصال بتهنئة ترامب والشعب الأمريكي بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، وذلك بعد ساعات من برقية تهنئة كان الكرملين قد نشرها في وقت سابق، أكد فيها أن تطوير علاقات متبادلة المنفعة بين روسيا والولايات المتحدة يخدم مصالح البلدين والمجتمع الدولي بأسره.
وبحسب أوشاكوف، احتل ملف التسوية الأوكرانية مساحة واسعة من المحادثات، لا سيما في ضوء مشاركة ترامب المرتقبة في قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" المقررة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو.
وقال أوشاكوف إن بوتين قدم لترامب عرضا مفصلا عن الوضع الميداني في أوكرانيا، مؤكدا أن القوات الروسية "تتقدم بثقة" على خطوط القتال وتسيطر على بلدات تباعا، مشيرا إلى أن كييف والاتحاد الأوروبي "ينطلقان من تصور خاطئ" بشأن حقيقة الوضع على الجبهة.
وأضاف أن بوتين اعتبر السيطرة على كونستانتينوفكا خطوة مهمة في مسار استكمال السيطرة على كامل أراضي ما تصفه موسكو بـ"جمهورية دونيتسك الشعبية"، مشددا على أن الجيش الروسي سيواصل عملياته في دونباس حتى بسط السيطرة على جميع المناطق المتبقية التي تنتشر فيها القوات الأوكرانية.
في المقابل، جدد ترامب، وفق الرواية الروسية، استعداده للمساعدة في إنهاء الأعمال القتالية في أسرع وقت ممكن، والبحث عن تسوية سلمية للأزمة، معتبراً أن إنهاء النزاع في أوكرانيا قد يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي واسع بين روسيا والولايات المتحدة.



