عاجل

يجب أن نتوقف ونسأل أنفسنا: ما هي الأهداف النهائية لما يحدث الآن في المنطقة؟ كيف تفكر حكومة نتنياهو والإدارة الأمريكية وما هي الأهداف المشتركة بينهما؟

فإلى جانب ابتزاز دول الخليج وإضعافها اقتصادياً، وإضعاف إيران مع استمرارها كفزاعة للخليج والقضاء على خطرها على إسرائيل وتقوية تل أبيب، توجد أهداف أخرى مستمرة؛ مثل القضاء على القضية الفلسطينية تماماً، وتهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وهو مخطط قديم ومعلن منذ حوالي عشرين عاماً، وحاولت مصر إفشاله دائماً، إلا أنه مخطط مستمر. ويعتبر "مجلس السلام" الذي تم إنشاؤه بمثابة خطوة مهمة نحو تنفيذ هذا المخطط الذي يسعى لمنح إسرائيل أراضي غزة وجنوب لبنان والجولان السورية بلا أي مقابل.

وقد عقد مجلس السلام اجتماعاً في 30 يونيو الماضي في قبرص، في ظل الحديث عن تهدئة بالنسبة للملف الإيراني الأمريكي. ويعتبر مجلس السلام هيئة انتقالية دولية أسسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير 2026، وتستمد عملها لدعم إدارة وإعادة إعمار قطاع غزة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في نوفمبر 2025. ومن المفترض أن يتولى المجلس إدارة المرحلة الانتقالية، والإشراف على إعادة الإعمار، وتسيير الشؤون المدنية.

وقد بدأت قوة الاستقرار التابعة للمجلس في تلقي مركباتها ومعداتها في منطقة الدعم اللوجستي "إندورانس" جنوب إسرائيل تمهيداً لنقلها، كما يستعد المجلس لإطلاق مناطق إنسانية "خالية من حماس"، حيث يتوقع أن يبدأ تطبيقها في حي تل السلطان قرب رفح. وقد أثار المجلس موجة من الانتقادات مؤخراً لإعلانه بوضوح أنه "لا مكان لوكالة الأونروا في غزة الجديدة"، ويسعى لاستبدالها وإنهاء الاعتماد الدائم على المساعدات، وهو التوجه الذي يرفضه الفلسطينيون ويصفونه بأنه محاولة لتصفية قضايا اللاجئين.

من جانبها، عبّرت حركة حماس عن تطلّعها لأن تنجح القوة الدولية في إيقاف الانتهاكات الإسرائيلية وإلزام إسرائيل بالانسحاب، مع التأكيد على أن إعادة الإعمار هي حق أصيل. في المقابل، تحذر بعض الجهات الفلسطينية والإعلامية من أن المجلس قد يكون غطاء لتنفيذ "خطة باء" لتقسيم القطاع والالتفاف على حقوق اللاجئين. ويعتبر مجلس السلام أحد هياكل إدارة المرحلة الانتقالية في غزة، بالإضافة إلى "مجلس غزة التنفيذي" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" و"قوة الاستقرار الدولية"؛ وكلها هياكل لم تتقدم خطوات كثيرة حتى الآن، ولكن فقط تم الإعلان أن مجلس السلام سيبدأ خلال أسابيع معدودة مشروعاً تجريبياً لإدارة مراكز إيواء إنسانية في مناطق بقطاع غزة.

وقد أثار إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تغيير الوضع القانوني لـ «مجلس السلام» موجة جديدة من الانتقادات القانونية والسياسية، وسط دعوات إلى سحب الدعم الدولي للمجلس، بعدما جرى توصيفه (منظمة دولية غير حكومية) بدلاً من منظمة دولية رسمية متعددة الأطراف. هذا الأمر سينعكس مباشرة على آليات الرقابة والمساءلة؛ إذ أوضح روبيو أن رقابة الكونغرس ستقتصر على الأموال الأمريكية المخصصة للمجلس، بينما لن تشمل المساهمات الأجنبية، بما فيها التمويلات المقدمة من دول خليجية وحكومات أخرى، خاصة وأن جزءاً من الأموال التي تلقاها المجلس أُودع في حساب خاص لدى بنك جي بي مورغان تشيس بدلاً من حسابات الجهات الدولية متعددة الأطراف، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية حول شفافية إدارة الأموال وآليات الإشراف عليها.

وتقودنا تلك النقطة الهامة إلى مسألة إعادة إعمار غزة كما وردت في خطة السلام ذات النقاط العشرين التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بداية هذا العام، والصندوق الذي من المفترض أن يجمع 300 مليار دولار لإعادة الإعمار؛ ومن سيدفع تلك الأموال؟ كان الاعتماد على دول الخليج، ولكن هل ستدفع دول الخليج لإيران أم لغزة؟ خاصة أن صندوق غزة فكرة لا زالت هلامية تتصور أنه سيتم وضع الأراضي العامة في صندوق ائتماني للتطوير، على أن تُباع أصوله للمستثمرين عبر رموز رقمية تُتداول على تقنية البلوك تشين.

وتُثار تساؤلات حول دور توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، في هذا المجلس؛ فبحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية، كان بلير وجهاً مألوفاً في دوائر صنع القرار في إسرائيل خلال العامين الماضيين لمناقشة سيناريوهات «اليوم التالي»، كما أُشرك في اجتماعات مع فريق ترامب بشأن مستقبل غزّة. وقبل أقل من أسبوعين على الإعلان عن الخطّة، سرّبت هآرتس مخططاً خاصاً بمعهد توني بلير لوضع تصور لحوكمة غزّة في مرحلة ما بعد الحرب، وهو مخطّط يتشابه إلى حدّ لافت مع خطّة ترامب، ويتضمّن قوة الاستقرار الدولية والسلطة الدولية الانتقالية في غزّة، برئاسة مجلس دولي شبيه بـ "مجلس السلام" الذي اقترحه ترامب فيما بعد، والذي يُختزل فيه الدور الفلسطيني في مسألة تقديم الخدمات فقط لا غير.

والنقطة الجوهرية هي إشراف هذا المجلس على هيئة تشجيع الاستثمار والتنمية الاقتصادية في غزّة، وهي هيئة ذات نزعة تجارية بحتة مهمّتها استخلاص الربح من كل نشاط اقتصادي، «بما في ذلك الإسكان والبنية التحتية والتنمية الصناعية». وعبارة أخرى، إنّها غزّة تُدار بمنطق أرباح المستثمرين وعوائدهم الاستثمارية، لا بمنطق المصالح الوطنية والاحتياجات المجتمعية؛ وبالتالي لا يعدو أن يكون مجلس وصاية بقيادة أجنبية يتحكم في غزة وإعادة الإعمار، وقد يعني عملياً إضفاء شرعية شكلية على السيطرة الإسرائيلية على مجمل مسار إعادة الإعمار في غزة، الأمر الذي يساعد في الاستمرار في خطة التهجير للعديد من الفلسطينيين بعد أن أصبحت حياتهم جحيماً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وسيتم اختصار دورهم في المستقبل على أرضهم كمقدمي الخدمات ليس إلا.

وفي المقابل، يقابل مقترح مجلس السلام لإعادة الإعمار مقترح كانت مصر قد تقدمت به كخطّة مصرية للتعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية في غزّة، يضع مساراً لإعادة الإعمار يمتد لعشر سنوات، بكلفة تُقدّر بنحو 53 مليار دولار، وإنشاء صندوق موحّد يجمع تمويل المانحين والمؤسّسات المالية الدولية والاستثمار الخاص، بما يوفّر قناة واضحة نسبياً للمساءلة.

كل ذلك بجانب أن لجنة التكنوقراط الفلسطينية — التي كان من المفترض أن تتولى إدارة قطاع غزة بموجب الاتفاق — لم تستطع الدخول إلى القطاع المدمر بعد؛ حيث تواصلت الضربات الإسرائيلية بشكل شبه يومي، ورفضت حركة حماس الفلسطينية المسلحة نزع سلاحها. كما أن قوة الشرطة الدولية التي كان من المقرر أن تتولى السيطرة على أمن غزة لم تتشكل بعد.

وكل تلك النقاط تثير تساؤلات حول مدى جدية عمل مجلس السلام والهيئات التابعة له، خاصة مع إصرار مجلس السلام أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لن يكون لها أيّ دور في إدارة غزة الجديدة. وفي نفس الوقت، تصر إسرائيل على مسألة نزع سلاح حماس على الرغم من تأكيدها أن السلاح المتبقّي لا يشكل أيّ تهديد أمني عليها — خصوصاً بعد تحصين الشريط الحدودي بحزام أمني يقضم نحو 70% من مساحة القطاع — ولكنها تواصل التذرّع بهذه المسألة للتهرب من التزاماتها، وتحول مسألة السلاح إلى ما يشبه "مسمار جحا"، يسمح لها بالتصعيد المستمر الذي يهدف إلى خلق ظروف معيشية لا تطاق للفلسطينيين تمهيداً لتسهيل الطريق أمام التهجير.

وبالطبع تتمنى إسرائيل تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى سيناء، ولكن مصر تدرك تماماً مخاطر تلك المخططات وتسعى بشكل مستمر لإفشالها، مهما اختلفت المسميات لهذا التهجير من تهجير قسري إلى تهجير طوعي؛ ففي النهاية هي محاولات من حكومة نتنياهو لطرد الفلسطينيين وإنهاء القضية الفلسطينية تماماً، وإلقاء تلك الكرة المشتعلة إلى الملعب المصري.

تم نسخ الرابط