منذ عشر سنوات أخذت على نفسي عهداً ألا أتناول أخطاء المهنة، سواء في العمل اليومي أو المؤسسي، بل فضلت الابتعاد عن كل ما يخص المهنة؛ لأن تلك مرحلة لها رجالها ومن حقهم التعبير عن أنفسهم بمنطق عصرهم.
أقول ذلك لأن الجميع يعرف جيداً أننا نعيش مستويات خنق قاسية غير مسبوقة، عصرت روح الصحافة والإعلام، وجعلتهما شيئاً آخر له تعريف آخر غير ما تعلمناه وعشناه مع أساتذتنا وزملائنا في المهنة خلال العقود الماضية. ولكن استفزني هذا الجدل في ألف باء المهنة وأبجدياتها؛ ثم كانت المصيبة هي التبرؤ من السبق الصحفي وكأنه تهمة، ثم كانت الكارثة في اعتراف البعض بالنقل من البعض الآخر، ثم كان الاعتذار والتبرير وتطييب الخواطر دون أي اعتبارات للمهنة وأصولها.
ففي واقعة تعيين المستشارين والمساعدين لوزارة الإعلام، فبمجرد صدور النفي، انتقل البعض مباشرة إلى اتهام المؤسسة الإعلامية بعدم المهنية أو عدم الدقة، رغم علم الجميع لدرجة اليقين أن الخبر كان صحيحاً. وحتى إذا كان غير صحيح، فقد فتح الباب أمام أسئلة أخرى حول المرحلة التي كان قد وصل إليها القرار وقت النشر: فإذا كانت هذه التعيينات مطروحة بالفعل، فما الأساس القانوني لها؟ وكيف تم اختيار أصحابها؟ وما طبيعة اختصاصاتهم؟ وهل توجد معايير معلنة للاختيار؟ وما قيمة مكافآتهم؟ ومن أي بند في الموازنة كانت ستمول؟ وهل يحتاج هيكل الوزارة فعلاً إلى هذا العدد؟
هذا من حيث الأداء المهني؛ أما من حيث جوهر المشكلة، فيبدو أن كثرة الاعتماد على البيانات الرسمية، وندرة التعامل مع المصادر البشرية، جعلت البعض ينسى أهمية المصدر البشري... وهو أصل الصحافة. فالصحافة لا تقوم على البيانات الرسمية وحدها، بل تقوم أساساً على المصادر البشرية، وعلى بناء شبكة من العلاقات، وعلى التحقق من المعلومات من أكثر من مصدر، ثم نشرها عندما يقتنع الصحفي بصحتها.
وقد يحدث النفي لأسباب عديدة؛ ربما لأن القرار لم يكتمل بعد، أو لأن إجراءات اعتماده لم تنتهِ، أو لوجود خلافات داخلية، أو لأن الجهة الرسمية تريد أن تتحكم في توقيت الإعلان عنه. وقد يكون التسريب نفسه جزءاً مما يسميه البعض "التهيئة الإعلامية" أو "جس النبض"، لمعرفة ردود الفعل قبل حسم القرار أو الإعلان عنه، وقد يكون السبب شيئاً آخر تماماً. صحيح أن البيان الرسمي جزء من القصة، ووجوده مهم جداً في بعض القصص الصحفية، لكن هذا لا يعني أن نمنع الصحافة من أن تجتهد وتقوم بدورها الطبيعي وتتحقق وتنشر قبل الرواية الرسمية.
ثم كان أن غاب عن الجدل الراهن أيضاً ألف باء ما يحدث في المؤسسات الدولية والإقليمية والشركات عندما يتم الإعلان عن وظيفة؛ يجب أن يكون هناك هيكل عام للجهة، وهياكل تنظيمية تفصيلية للإدارات، وكل وظيفة في الهيكل يكون لها هدف وظيفي ومسؤوليات ومهام وظيفية محددة فيما يعرف بالوصف الوظيفي لكل وظيفة. للأسف، نحن بعد كل هذه السنوات بعيدون كل البعد عن المنهج العلمي والعملي.
وأخيراً، لم أفهم بعض المسميات الوظيفية التي وردت ضمن قرار تعيين 22 مستشاراً بوزارة الإعلام؛ هناك "مستشار مساعد الوزير لـالتحديث المؤسسي"، ما المقصود تحديداً بهذا المسمى؟ وما طبيعة المهام التي سيقوم بها؟ وهناك أيضاً "منسق تكافؤ الفرص"، ماذا يعني هذا المنصب داخل وزارة الإعلام؟ وما هي مسؤولياته وكيف سيتم قياس نجاحه؟ لدرجة أن المسميات الوظيفية أكثر تعقيداً من الوظائف نفسها!