ليس كل ما يلمع شعارًا يكون حقًا، وليس كل من رفع راية الدين كان حاملًا لرسالته. فالدين ليس كلمات تُلقى على المنابر، ولا لافتات تُرفع في الميادين، وإنما الدين عدلٌ ورحمة، وصدقٌ وأمانة، وعملٌ يرفع شأن الإنسان ويحفظ الأوطان.
ولذلك كان من أعظم نعم الله على عباده نعمة الأمن؛ حتى قرنها سبحانه بنعمة الرزق فقال: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. وإذا ضاع الأمن ضاعت معه العبادة، وتعطلت المصالح، وسالت الدماء، وأصبح الناس لا يفكرون إلا في النجاة.
وفي مثل هذه الأيام نستحضر ذكرى الثالث من يوليو، لا لنفتح صفحات الخلاف، ولا لنوقظ الخصومات، وإنما لنتأمل درسًا عظيمًا من دروس التاريخ: أن الأوطان إذا نجت من الفتن فقد ربحت أعظم المكاسب، وأن المحافظة على الدولة ليست قضية سياسية فحسب، بل هي مقصد شرعي عظيم؛ لأن الشريعة إنما جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، ولا يتحقق شيء من ذلك إذا انهارت الدولة أو استبدت بها الفوضى.
لقد علمتنا التجارب أن الشعارات وحدها لا تبني وطنًا، وأن المتاجرة بالدين أخطر على الدين من خصومه؛ لأنها تلبس الباطل ثوب الحق، وتوهم الناس أن رفع الشعارات يكفي عن صدق العمل وحسن الإنجاز. أما الإسلام فقد ربط دائمًا بين الإيمان والعمل الصالح، وبين القول والفعل، وبين الدعوى والبرهان.
ومن ينظر إلى مصر اليوم يرى دولة اختارت طريق البناء بعد سنوات عصيبة؛ مشروعات قومية، وتطوير للبنية الأساسية، وطرق ومدن جديدة، وجهود في مجالات الصحة والتعليم والطاقة، ومسيرة لا تزال تحتاج إلى مزيد من العمل، لكنها تؤكد أن الإنجاز الحقيقي يُقاس بما يتحقق على الأرض، لا بما يُقال على المنصات.
ومن العدل أن نذكر ما بُذل في عهد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي من جهود كبيرة في تثبيت أركان الدولة، واستعادة الاستقرار، وإطلاق مشروعات تنموية واسعة، مع يقيننا أن كل مسؤول يظل مطالبًا بمزيد من الإصلاح وخدمة الناس، فالنصيحة الصادقة والدعاء للمسؤولين من هدي الإسلام، كما أن شكر المعروف من مكارم الأخلاق.
ولعل من أعظم ما نفخر به اليوم أن مصر تمضي في ترسيخ مبدأ المواطنة، فلا فضل لمصري على آخر بسبب دينه أو طائفته، وإنما الجميع شركاء في وطن واحد، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وهي قيمة أصيلة دل عليها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، فالعدل أساس العمران، وبه تستقيم الدول قبل أن تستقيم السياسات.
فلنجعل من هذه الذكرى مناسبة لشكر الله على نعمة الأمن، وتجديد العهد على أن نحفظ أوطاننا من الفتن، وأن نُعلي قيمة العمل على الشعارات، والوحدة على الفرقة، والبناء على الهدم. فالأوطان لا يحرسها إلا المخلصون، ولا يرفعها إلا العاملون، ولا يديم نعمها إلا شكر الله عليها.
حفظ الله مصر قيادةً وشعبًا، وأدام عليها الأمن والاستقرار، وجعلها دائمًا حصنًا للإسلام والعروبة والإنسانية، ووفق أبناءها إلى كل خير، إنه نعم المولى ونعم النصير.