عاجل

في البدء، لم يكن الوطن مجرد حدودٍ جغرافية خُطَّت على الورق بمداد البشر، ولا مساحة من الأرض تحدها تضاريس الطبيعة؛ بل هو سرٌّ إلهي نُفخ في طين الفطرة، فصار نبضاً في القلوب، ونوراً في العيون. إن حب الوطن ليس رداءً نرتديه في المحافل ونخلعه في المضاجع، بل هو عهدٌ وثيقٌ معقودٌ في أزل الأرواح قبل حلولها في الأشباح، ولو تصفّحت كتاب النفس البشرية، لوجدت في طياته صفحةً لا تمحوها عوادي الزمن، خُطَّت فيها عبارة بليغة: "المرء بلا وطن، عصفورٌ قُصَّ جناحاه في مهب ريحٍ عاتية".

وتأمل معي هذا الوجود، تجد أن الطيور تحنّ إلى أوكارها وإن قست عليها الريح، والوحوش تأوي إلى غاباتها وإن شحَّ فيها القوت، فكيف بالإنسان الذي كرمه ربه وحمله في البر والبحر؟! إنها الفطرة النقيّة التي لم تدنسها عواصف الجحود؛ الفطرة التي تجعل من تراب الوطن تبراً، ومن مائه الزلال للحياة ترياقاً. وحين تشرق شمس الإيمان في قلوب المؤمنين، يرتفع هذا حب الفطري ليتسامى في معاريج العقيدة، فيغدو الدفاع عن الحياض جهاداً، والموت دون الذمار شهادة، والعمل في عمارة الأوطان صلاةً خاشعة في محراب الوجود.

ومن الحق الجليّ الذي طالما صدع به فقه البيان الراشد الحكيم، أن "الوطن لا ينمو إلا في بيئة آمنة، وأن الإيمان لا يستقر في قلوب يمزقها الخوف ويشردها الجوع"؛ فالشريعة الغراء ما جاءت لتهدم الغرائز السليمة، بل جاءت لتهذبها وتصقلها. والمسلم الحق هو الذي يرى في استقرار وطنه شرطاً مسبقاً لإقامة دينه؛ فكيف تُقام الصلوات في مساجد تهدمها يد الفوضى؟ وكيف يحج البيت من لا يأمن على نفسه في طريق السفر؟ إن الذين يفصلون بين الدين والوطن، كمن يفصل بين الروح والجسد؛ فإذا انشقت الروح هامت في غياهب العدم، وإذا خلا الجسد استحال جثةً هامدة تتناوشها السباع.

وحين تنبثق من أعماق الوجدان نغمات تهمس بألحان المحبة الأبدية، لتعلن أن الوطن ليس سجناً للمظالم بل هو فضاء للمكارم، وهو تلك القيثارة التي تعزف عليها أصابع الأيام لحن الخلود، تمتزج هذه النظرة برؤى تأملية عميقة، ندرك من خلالها أن الاستقرار في الوطن هو السكينة التي تسبق عاصفة الخلق والإبداع؛ فلا يمكن للإنسان أن ينظر إلى السماء ليتأمل النجوم وهو يتعثر في حفر الأرض، ولا يمكن للشاعر أن يصوغ أناشيد الفرح وهو يسمع وعيد السلاح وقصف المدافع. إنها وحدة الوجود الإنساني التي تتجلى في أرقى صورها عندما يصطف أبناء الوطن الواحد كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً، متطلعين إلى أفق واحد، مستلهمين من ماضيهم العريق قوةً لحاضرهم المشرق، ومستشرفين مستقبلهم بنفوس مفعمة بالأمل واليقين.

ولأن هذا الصرح العظيم لا يقوم إلا على حراسة الأركان وفقه البنيان، فإن عمارة الأوطان ليست نافلةً من القول، ولا ترفاً فكرياً يلهو به الباحثون في صوامعهم، بل هو لُبّ الشريعة وعين الحكمة؛ إذ جُمعت مقاصد الدين الحنيف في كليات خمس، تدور في فلكها كل الأحكام، وتتجه إليها كل التشريعات: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ الدين. ولكن، واهًا لمن غفل عن الحقيقة الجلية! كيف تُحفظ هذه الكليات إن ضاع الوطن الذي يحويها؟! إن الوطن هو الوعاء الجامع لهذه الجواهر النفيسة، فإذا انكسر الوعاء، تبددت الجواهر في رمال الضياع. وهنا يتجلى لنا، بوضوح الشمس في رابعة النهار، الأثر العظيم والسر العميق للالتفاف حول القيادة الوطنية الراشدة، والاصطفاف صفاً واحداً خلف راية حكيمة واعية، باعتباره حجر الزاوية في بناء صرح الاستقرار.

إن التاريخ الإنساني، قديمه وحديثه، يعلمنا بلسان فصيح لا يعرف اللجلجة، أن الأمم التي تفرقت أيدي سبأ، وتمزقت كلمتها، وتعددت ولاءاتها، أمست أثراً بعد عين، وصارت حكايةً تروى في بطون الكتب للعظة والاعتبار. ونعوذ بالله من الفوضى! فهي الداء العضال الذي إذا حلّ بأرضٍ جعل أعزّة أهلها أذلة، وهي الظلمة الحاضنة لكل شر، والتربة الخصبة لكل دمار؛ ففي غياب الاستقرار، تزهق النفوس بغير حق، وتُنهب الأموال جهاراً نهاراً، ويغيب العقل تحت وطأة الخوف والذعر، ويضيع النسل في تلافيف التشريد واللجوء. فأين هي الشريعة حينئذٍ؟ إن الذين ينادون بخراب الأوطان بدعوى إقامة الدين، هم كمن يهدم جدران البيت ليتخذ من سقفه مظلة تقيه حر الشمس! أي خبل هذا، وأي زيف في الفهم والوعي؟ ولذا اقتبس الوجود من نور التنزيل الحكيم قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، لتكون هذه الآية الكريمة الدعامة المثلى للمجتمع الآمن المستقر؛ فطاعة أولي الأمر في غير معصية الله هي الصمام الذي يمنع سفينة المجتمع من الغرق في بحار الأهواء المتلاطمة؛ فالقائد في الأمة كالعقيد في القلادة؛ إذا انفرط، تساقطت الخرزات وتفرقت متناثرة.

ولو أصغينا إلى أنين الأقلام الباكية بدموع حارة على تلك الأوطان التي ضلّ أبناؤها الطريق، فظنوا الحرية فوضى، وحسبوا النظام قيداً، فثاروا على أمنهم بأيديهم، لوجدناها تحذر من أن يغدوا كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول، إذ ينطق لسان الشجن متفجعاً: "إن السعادة لا تسكن بيتاً هُدمت جدرانه، ولا تجلس في أرضٍ رُوّعت قطاها، فابحثوا عن السكينة في ظلال النظام، والتمسوا العزة في حبل الجماعة". وبناءً على هذا المتن المتين، جعلت الشريعة الإسلامية من حفظ الأوطان مقصداً يوازي حفظ الدين نفسه، بل إن المقصد السامي الذي بدونه لا تتحقق المقاصد الخمسة الأولى هو حماية الثغور وصون الدور؛ فالاستقرار ليس مجرد حالة من الهدوء السلبي، بل هو حركة دائبة نحو البناء، هو الطمأنينة التي تمكن الفلاح من زرع أرضه، والتاجر من تسيير قافلته، والعالم من نشر علمه، والطالب من تلقي درسه، إنه البنية التحتية لكل نجاح دنيوي وفلاح أخروي.

ولكل أمة في مسيرتها التاريخية محطات فارقة، ومنعطفات حاسمة، تمثل الفارق بين الوجود والعدم، وبين البقاء والفناء. ولقد مرت مصر الكنانة، قلب الأمة النابض وصخرتها العاتية، بمرحلة من أحلك مراحل تاريخها الحديث؛ حيث تلبدت في سمائها غيوم حالكة، كادت تحجب نور الفجر، وعصفت بها رياح عاتية أرادت اقتلاع جذورها الضاربة في أعماق التاريخ، وتمزيق هويتها التي تشكلت عبر آلاف السنين من التعايش والمحبة والسلام. وفي تلك الأيام العصيبة، كانت القلوب واجفة، والأبصار شاخصة، والنفوس تتساءل في رعب صامت: إلى أين تمضي بنا المقادير؟ هل نسير نحو الهاوية؟ هل نصبح مجرد أشلاء أمة تتنازعها الأهواء وتتقاسمها الذئاب؟ لقد كان التمزق يهدد المؤسسات، وكانت الفوضى تقرع الأبواب بجرأة غير معهودة، وكان شبح التشرذم يلوح في الأفق كوحش كاسر يستعد للانقضاض على فريسته.

ولكن، يأبى الله إلا أن يتم نوره، ويأبى هذا الوطن العظيم إلا أن ينهض من كبوته كالعملاق الأشم؛ ففي لحظة تاريخية جليلة، تمثلت في ذلك التحول التاريخي الكبير والمحطات الفارقة، انبلج الصبح من رحم الظلام، وتجلت عناية الله بمصر وأهلها، فكان هذا التحول بمثابة طوق النجاة الذي أُلقي إلى غريق في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، حيث تنادت الملايين من أبناء الشعب، مستلهمةً روح الفداء وبصيرة الوعي، فاصطفت خلف قواتها المسلحة وطليعتها الوطنية، في مشهد مهيب سيبقى محفوراً في ذاكرة الزمان، يجسد المعنى الأسمى للالتفاف حول القيادة الوطنية لحماية الهوية وصون مؤسسات الدولة من التحلل والانهيار، متماشياً مع المأثور التاريخي الذي يرى في الكنانة بلداً محفوظاً بعناية السماء، البلد الذي قال فيه الحق سبحانه وتعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. فكيف يمكن لأرضٍ كتب الله عليها الأمان منذ الأزل أن تستسلم لخيام الخوف وسرادقات الدمار؟ إن هذا التحول التاريخي لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كان بعثاً جديداً طال انتظاره، وتصحيحاً للمسار الذي انحرف، وإعادةً لقطار الوطن إلى وجهته الصحيحة بعد أن كاد يهوي في وادٍ سحيق، فصينت هوية الدولة ومؤسساتها من التمزق والشتات، وحق فيها قول الشاعر البليغ: "مِصرُ تَرجو مِنكُمُ جِيلًا فَتِيًّا ... سالِمَ البِنيَةِ مِقدامًا قَوِيًّا"، ليكون الشاهد الأكبر على أن الشعب ذو بصيرة نافذة، يعلم متى يصبر ومتى ينتفض، ويعرف بالفطرة النقيّة كيف يفرّق بين دعاة البناء ودعاة الهدم، بين من يريدون جعل الوطن ساحة للخراب، ومن يرونه واحة للأمن والازدهار والمحبة.

وما أجمل الفجر بعد ليل طويل! وما أحلى جني الثمار بعد ليل السهر وكدّ العمل! إن الاستقرار الذي تنعم به مصر اليوم ليس هدوء المقابر، بل هو حيوية المروج الخضراء، وحركة الشرايين التي تتدفق بالحياة. وقد انعكس ذلك التحول التاريخي العظيم على أرض الواقع خططاً مدروسة، ومشاريع عملاقة، وحركة بناء وتنمية وتعمير لا تكاد تتوقف ليلاً ولا نهاراً، تحت رؤية وطنية راسخة حكيمة قادت سفينة الوطن باقتدار في وسط العواصف، لترسي بها على شاطئ النجاة والنماء. فانظر حولك وتأمل وجه مصر الجديد؛ كيف تحولت الصحاري القاحلة إلى جنات ونهر، وكيف شُقت الطرق والجسور لترربط أوصال الوطن وتقرب البعيد، وكيف نهضت المدن الجديدة من قلب الرمال كأنها قلاع من نور تشهد على عظمة الإرادة الإنسانية، لتغدو هذه الحركة المباركة في التعمير رسالة دينية ووطنية نبيلة، وضعت في صلب غاياتها كرامة الإنسان وبناء الأوطان، مستلهمة قول الحق تبارك وتعالى في كتابه العزيز: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.

بلى، إن هذا الإعمار هو عمارة الأرض وبناؤها، وزرعها وصنعها، فكل معول يُرفع لبناء جدار، وكل شجرة تُغرس في جوف الأرض، وكل قطرة عرق تسقط من جبين عامل في مصنع أو فلاح في حقل، هي خطوة في سبيل تحقيق الاستخلاف الإلهي؛ فإعمار الأرض شقيق العبادة، ولا يمكن لأمة عالة على غيرها في طعامها وشرابها وسلاحها أن تملك قرارها أو تحمي دينها، وقوة العقيدة لا بد لها من قوة في البنيان المادي تحميها وتدعمها. ومن هنا، تلاحقت المشاريع العملاقة اختصاراً للمسافات والزمن، ونهضت المدن الذكية تؤسس لمستقبل واعد، وامتدت المبادرات الإنسانية لتمسح دموع البؤس عن وجوه الملايين، مؤكدة أن البناء هو اللغة البليغة التي يكلم بها الإنسان الخلود، فما تتركه الأمم من صروح وعمران هو الشاهد الباقي على مدى نبل رسالتها، ومصر اليوم تكتب فصلاً جديداً من فصول خلودها بمداد الاستقرار البهي، وتثبت للعالم أجمع أنها تمرض ولكنها لا تموت، وتنام ولكنها لا تنسى كيف تستيقظ لتصنع الفجر وتوجه التاريخ.

وفي الختام، يلتئم شمل الكلمات وتنصهر الأساليب في بوتقة واحدة، لتعلن للعالمين أن فقه بناء الأوطان هو سيمفونية متكاملة، تتناغم فيها الروح مع الطين، والشريعة مع الفطرة، والقيادة مع الشعب، فتقف مصر اليوم شامخة كالطود الأشم، تنظر إلى مستقبلها بعيون واثقة ونفوس مطمئنة، مستظلة بوثيق الاستقرار، ومستمسكة بحبل الاصطفاف الوطني كطوق نجاة أبدي لا بديل عنه، لتظل حراسة هذا الوطن أمانة وميثاقاً غليظاً في عنق كل مواطن شرب من نيله واستظل بسمائه، ويبقى على الدوام واحة للأمن، ومنارة للعلم، وساحة للبناء، وموطناً للسلام والمحبة والوئام.

تم نسخ الرابط