عاجل

على وقع أصوات الكلاب التي تهز الأرجاء حولي وتكسر صمت الليل الهادئ وتوقظ النائمين وتزعج المرضى والساهرين، أكتب هذه السطور في حب الكلاب والخوف منهم.

فلم يعد أحد في مجتمعنا إلا ويتحدث ويكتب ويقول، إما منزعجاً وخائفاً من انتشار الكلاب الضالة ورافضاً لوجودها، وإما مدافعاً شرساً عن المساس بهم بأي سوء، وإن شطح البعض بعاطفته - واسمح لي عزيزي القارئ أن أقول بعاطفته- أن يوليها أهميةً وحقوقاً تساوي حقوق الإنسان وأحياناً أكثر، من باب أنها حيوانات لا يمكنها التعبير عن حالها. وكلا الطرفين له أسانيده العقلية والمنطقية لما يتخذه من موقف، وإن وصل الأمر بهما للتراشق بالألفاظ وكيل الاتهامات المتبادلة. والناس تعوي في كل مكان وقافلة الكلاب تسير.

نعم الكلب حيوان له حقوق وعليه واجبات لا يعقلها، فإن تطرّفت حقوقه وطغت على واجباته وأصبح يهدد حياة البشر، هنا يجب التحرك ووضع خطة زمنية لحل هذه الأزمة بطريقة ترضي كل الأطراف.

أذكر أنه في ثمانينيات القرن الماضي كانت الحكومة تقتل الكلاب الضالة في القرى والنجوع في الشوارع وفي الطرقات بلا أي رحمة أو هوادة، وبلا خوف علينا وقتها نحن الأطفال من رصاصة طائشة من بندقية خفير القرية المكلف بهذا الأمر، وكم رأيت من مطاردات يفوز فيها في النهاية إما الخفير وإما كلب نجح أصحابه في إخفائه خوفاً من عشماوي الكلاب. واعتادت عيني مشهد القتل هذا حتى أكسبني جزءاً من الجرأة، ولكن سرعان ما رسخ بداخلي رفض ذلك الحل الوحشي؛ ربما لأننا نادراً جداً ما كنا نواجه كلباً مسعوراً، بل كنا نعرف صاحب كل كلب وبيته، وكانت الحياة تمشي ولم يسببوا يوماً قلقاً أو خوفاً كما يحدث الآن. رغم أنها كانت كلاب بلدي تأكل ما يجود به صاحب البيت، فقد جرت العادة عند معظم أهالي القرية أن يكون لكل بيت كلب أو كلبان تقريباً، ولم يكن يعرف هؤلاء البسطاء ما نعرفه الآن من صنوف الكلاب وأشكالها وتعدد أغراضها، والتي توازي ما يطلق عليها اليوم الكلاب الضالة؛ فقد اختلفت الصورة ويجب أن تختلف معها الحلول. ومطلوب أيضاً عدم خروج سياق الحديث حول الكلاب الضالة عن لغة الأرقام، اللغة التي توضح عدد من توجهوا إلى مراكز اللقاحات بعد تعرضهم إلى عضة كلب.

خطة استراتيجية علمية وإنسانية هي المخرج الوحيد من هذه الأزمة التي لم تكن الأولى ولكنها الأشد، وعلى من يتضرر أن يشتد حرصه على نفسه وعلى أهل بيته إلى أن تعود الأمور إلى طبيعتها ويسير ويحيا في أمان. ولا ننسى أن التوازن البيئي على هذا الكوكب هو في النهاية لحماية الإنسان عبر كل ما خُلق من أجله، لذلك فإن الحفاظ على هذا التوازن أمانة في رقبة الإنسان نفسه، يجب عليه فيها إعمال العقل والقلب معاً.

تم نسخ الرابط