عاجل

لماذا يبدو أن العالم كلما خرج من حرب دخل في حرب أخرى؟ هل هي مجرد صراعات على حدود، أم أنها لعبة أكبر تُدار من خلف الستار؟

في حلقة اليوم، نتناول ملف الحرب؛ ولكن ليس كحدث سياسي أو عسكري، بل كأداة اقتصادية، كصناعة، وكآلة ضخمة لجمع الأموال.

يقول المؤرخ الأمريكي الشهير هاوارد زين في كتابه المعروف "تاريخ الشعب في الولايات المتحدة": (لم ينظر للحروب الأمريكية باعتبارها "حروباً للدفاع عن الحرية"، بل اعتبرها جزءاً من مشروع اقتصادي ضخم). يقول زين — بمعنى واضح — إن الرأسمالية الأمريكية كانت بحاجة دائمة إلى منافس دولي، وتهديد خارجي، وحرب تُحشد لها الأمة؛ ليس فقط للسيطرة على الأسواق والموارد، بل لخلق إجماع داخلي، وإخفاء الصراع الطبقي داخل المجتمع الأمريكي.

والسؤال هنا: إذا كانت الحروب تُشن من أجل الديمقراطية، لماذا خرجت منها الشركات العملاقة أكثر ثراءً، بينما عاد الجنود إلى بيوتهم فقراء أو معاقين؟

دعونا نرجع خطوة للخلّف على مستوى الأفراد؛ لا يزدهر المرابي إلا عندما يوجد فقير محتاج. أما على المستوى الدولي، فالأمر أكثر قسوة؛ الدول الفقيرة هي الدول المقترضة، والدول الغنية هي الدول المُقرضة، والفائدة الربوية لا تُبنى لتساعد الفقير، بل لتزيد الفقير فقراً وغنى الغني غنىً. تلك القروض تُنهك اقتصاد الدول الفقيرة، وتجعل قرارها السياسي مرهوناً بالدائن.

ونتساءل: هل يمكن لدولة مديونة أن تكون مستقلة حقاً؟ هل من يملك قوت يومه يمكنه أن يملك قرار الحرب والسلام؟

حتى تبقى الدول الفقيرة فقيرة وتزداد الدول الغنية ثراءً، لا بد أن يسود النزاع بين الدول الضعيفة. فتجد الحروب تدور حول: الحدود، الطاقة، الطوائف، الأعراق، المياه، وحتى الهويات. والعجيب أن الدول المتحاربة غالباً دول فقيرة تحت خط الفقر، لكن رجالها يحملون السلاح، يقتلون، يذبحون، يحرقون، ويدمرون.

والسؤال: من أين جاء السلاح؟ من أين جاء التمويل؟ من أين جاءت الصواريخ والطائرات وشعب تلك الدولة لا يملك ثمن الخبز؟

الجواب بسيط؛ السلاح يأتي من الدول الكبرى الغنية، تبيع لهم السلاح وتراقبهم يقتتلون، ثم تعود لتقرضهم المال لإعادة الإعمار، ثم تفرض عليهم الفوائد، ثم تُعيد الدورة من جديد.

في هذا السياق يظهر طرح خطير: أن الهدف ليس مجرد حرب هنا أو هناك، بل جعل العالم غير مستقر دائماً حتى يصل الناس إلى مرحلة اليأس، فيؤمن العامة بأن الحل الوحيد هو حكومة عالمية واحدة تتحكم في العالم وفي الثروات وفي توزيع الموارد. وهذا هو الهدف الأول للماسونية العالمية والذي تفتعل من أجل تحقيقه كل الأزمات (حكومة موحدة تسود العالم لا مكان فيها للدين، تحكمها المادة ويتحكم فيها من يطلقون على أنفسهم النخبة، وهم مجموعة من اليهود النورانيين عبدة الشيطان أصحاب الماسونية العالمية).

إذاً: هل يمكن أن تُخلق الفوضى عمداً لكي يبدو الاستبداد حلاً؟

هنا نصل إلى نقطة جوهرية؛ الولايات المتحدة الأمريكية لم تصبح قوة عظمى فجأة، بل صنعت نفسها عبر تطوير قدراتها العسكرية، ثم الدخول في حروب متتالية:

الحرب الأمريكية الإسبانية

الحرب العالمية الأولى

الحرب العالمية الثانية

حرب فيتنام

غزو العراق وأفغانستان، والكثير من الحروب والأزمات.

والسؤال هنا ليس: لماذا حاربت؟ بل: كيف استفادت؟

لنبدأ بأول حرب صنعت لها المجد العسكري الحقيقي؛ في نهاية القرن التاسع عشر كانت أمريكا تبحث عن مكان بين القوى العظمى. بعد استقلالها عن بريطانيا، بدأت الرغبة تتشكل لدى بعض القادة الأمريكيين والمصرفيين وأصحاب رؤوس الأموال: نريد أسطولاً بحرياً قوياً ينافس أساطيل أوروبا.

لكن هناك مشكلة؛ الدستور الأمريكي لا يسمح بدخول حرب إلا إذا تعرضت أمريكا لاعتداء. إذن، كيف تدخل الحرب دون أن تبدو معتدية؟

الجواب هو خلق ذريعة؛ وهنا تظهر كوبا، حيث كانت تخوض حرب استقلال ضد إسبانيا، فرأت أمريكا أن الفرصة مناسبة للتدخل، أرسلت سفينة حربية (طراد مدرع شهير اسمه "مين" Maine) إلى ميناء هافانا بحجة حماية المصالح الأمريكية.

ولكن فجأة، في يوم 15 فبراير 1898 انفجرت السفينة الحربية وغرقت بشكل غامض. الإعلام الأمريكي اشتعل، والصحف ملأت الشوارع بعناوين نارية، وصُوَر السفينة الغارقة، وجنازات الجنود، وصاحب ذلك غضب شعبي عارم. ورغم أن إسبانيا نفت بشكل قاطع تورطها، تم توجيه الاتهام إليها فوراً.

والسؤال: هل يمكن أن تُشعل حادثة غامضة حرباً كاملة؟ وهل يمكن للإعلام أن يصنع الغضب الشعبي في أيام معدودة؟

الرئيس الأمريكي حينها وليام ماكينلي كان متردداً، بل كان يميل للحل السلمي؛ وذلك لأن أمريكا كانت خارجة من كساد اقتصادي وكانت المصالح التجارية تخشى الحرب، لكن الضغط السياسي كان هائلاً، خاصة من الحزب الديمقراطي ومن القوى التي كانت ترى أن الحرب فرصة ذهبية، وفي النهاية استسلم ماكينلي للضغوط.

في 20 أبريل 1898 وقّع قراراً من الكونجرس يطالب بانسحاب إسبانيا من كوبا ويفوض الرئيس باستخدام القوة العسكرية. وفي اليوم التالي، قطعت إسبانيا العلاقات الدبلوماسية وبدأت الحرب.

الحرب لم تستمر طويلاً، استمرت فقط 10 أسابيع في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ. خلالها استغلت أمريكا ضعف الحاميات الإسبانية، وانتشار الحمى الصفراء بين القوات الإسبانية، وتفوقها العسكري البحري، وانتهت الحرب باستسلام سانتياغو دي كوبا ومانيلا في الفلبين، ثم طلبت مدريد السلام، وتم توقيع معاهدة باريس 1898.

والنتائج كانت ضخمة:

سيطرة أمريكية مؤقتة على كوبا.

تنازل إسبانيا عن الفلبين.

دفع أمريكا 20 مليون دولار لإسبانيا لتغطية البنية التحتية هناك.

والسؤال: هل كانت هذه حرب تحرير كوبا أم حرب توسع إمبراطوري؟

المفاجأة الكبرى حدثت بعد قرن تقريباً؛ ففي عام 1980 اعترفت أمريكا أن إسبانيا لم تكن مسؤولة عن انفجار السفينة، بل إن السفينة غرقت بسبب انفجار داخلي في غرفة البخار. لكن كان الوقت قد فات، إذ كان الأسطول الإسباني قد دُمّر بالكامل وانتهت إسبانيا كقوة بحرية عظمى، وظهرت أمريكا على أنقاضها كالقوة البحرية الجديدة. وهكذا تحولت أمريكا من دولة صاعدة إلى دولة تفرض نفسها على العالم.

والسؤال: إذا كان السبب الحقيقي لم يكن إسبانيا، فلماذا قامت الحرب؟ ولماذا استفادت أمريكا وحدها؟

الحرب الأمريكية الإسبانية كانت نموذجاً مبكراً لنمط سيتكرر لاحقاً: حادث غامض، تعبئة إعلامية، غضب شعبي، قرار حرب، ثم مكاسب سياسية واقتصادية ضخمة.

قد لا تكون الحرب دائماً من أجل الوطن، وقد لا تكون من أجل الحرية، وقد لا تكون من أجل الدفاع؛ بل قد تكون من أجل المال، ومن أجل الأسواق، ومن أجل السيطرة على الثروات. والأخطر أن الفقير هو من يدفع الثمن دائماً: دماً، ودماراً، وديوناً، وجوعاً.

والسؤال: إذا كانت الحرب تجارة، فمن هو التاجر الحقيقي؟ ومن هو الزبون الذي يدفع حياته ثمناً؟

وفي الحلقة القادمة نتجول في حقل الألغام: أمريكا والحرب العالمية الأولى.. الحياد الذي لم يكن حياداً.

لواء دكتور/ أحمد البكري

تم نسخ الرابط