دراسة حديثة.. كيف يستخدم الحمام كبده ليجد طريقه إلى المنزل؟
ظلّت قدرة الحمام على الطيران لمسافات طويلة والعودة بدقة إلى موطنه الأصلي واحدة من أكثر الظواهر إثارة في عالم الأحياء.
لكن دراسة علمية حديثة قدّمت تفسيرًا غير متوقع لهذا اللغز، بعدما كشفت أن مفتاح هذه القدرة قد يوجد داخل الكبد، وليس في العينين أو المنقار كما افترضت نظريات سابقة.

حيث أظهرت الدراسة، التي نُشرت في مجلة Science، أن الحمام يمتلك ما يشبه "بوصلة بيولوجية" تعتمد على خلايا مناعية غنية بالحديد داخل الكبد، تمكنه من استشعار المجال المغناطيسي للأرض والاستدلال به أثناء رحلاته الطويلة.
خلايا مناعية تتحول إلى بوصلة طبيعية
شارك في الدراسة فريق دولي ضم علماء مناعة وفيزياء وطيور، وتوصل الباحثون إلى أن خلايا مناعية تُعرف باسم البلاعم، والتي تتمثل مهمتها الأساسية في التخلص من خلايا الدم الحمراء القديمة، تؤدي أيضًا دورًا غير متوقع في الملاحة.
وأوضح الباحثون أن هذه الخلايا تخزن الحديد، الذي يتحول إلى جسيمات نانوية تمنحها خصائص فيزيائية فريدة، ما يسمح لها بالتفاعل مع المجال المغناطيسي للأرض.

في السياق قال البروفيسور كريستيان كورتس، أحد المشاركين في الدراسة لصحيفة الديلي ميل البريطانية إن الفريق لم يكن يتوقع أن تقوم الخلايا المناعية بوظيفة استشعار المجالات المغناطيسية، مشيرًا إلى أن النتائج تكشف آلية جديدة لم تكن معروفة من قبل تفسر كيفية إدراك الحيوانات للاتجاهات.
الكبد يتفوق على العينين والمنقار
وتتحدى هذه النتائج الفرضيات العلمية القديمة التي رجحت أن تكون العينان أو المنقار هما المسؤولان عن قدرة الحمام على تحديد الاتجاه.
وبعد فحص عدد من أعضاء الجسم، اكتشف الباحثون أن أنسجة الكبد تحتوي على أعلى تركيز من الحديد النشط القادر على التفاعل مع المجال المغناطيسي.
وقال البروفيسور أولف ويدوالد إن أقوى استجابة مغناطيسية سُجلت داخل أنسجة الكبد، ما يعزز فرضية أن هذا العضو يلعب الدور الرئيسي في نظام الملاحة لدى الحمام.
تجارب الطيران تؤكد صحة الاكتشاف
وللتأكد من صحة النظرية، أجرى العلماء اختبارات عملية على حمام مدرب، حيث قاموا بإزالة الخلايا البلعمية الغنية بالحديد من الكبد، ثم راقبوا أداء الطيور أثناء الطيران.
وأظهرت النتائج أن الحمام فقد قدرته على تحديد الاتجاه في الأيام الغائمة، عندما يعتمد بشكل أساسي على المجال المغناطيسي للأرض.
لكن اللافت أن الطيور تمكنت من العودة إلى أعشاشها في الأيام المشمسة، وهو ما يشير إلى أنها تمتلك نظامًا احتياطيًا للملاحة يعتمد على موقع الشمس عندما تصبح الإشارات المغناطيسية غير متاحة.
رابط مباشر بين الكبد والدماغ
كما نجح الباحثون في الكشف عن كيفية انتقال هذه المعلومات إلى الدماغ، إذ أظهرت صور المجهر الإلكتروني أن الخلايا الغنية بالحديد تقع بمحاذاة الألياف العصبية.
وقالت الدكتورة كليفيا ليسوفسكي إن هذا الاكتشاف يمثل أول دليل مادي يوضح الطريقة التي يستشعر بها الجسم المجال المغناطيسي للأرض وينقل هذه المعلومات إلى الدماغ، وهو ما يفسر جانبًا مهمًا من آلية الملاحة لدى الطيور.
اكتشاف قد يغيّر فهم العلماء للملاحة الحيوية
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تُحدث تحولًا كبيرًا في فهم العلماء لأنظمة الملاحة لدى الحيوانات.
وقال البروفيسور مارتن ويكلسكي إن إثبات مشاركة الخلايا المناعية في إدراك الاتجاهات سيغيّر النظرة التقليدية لكيفية تنقل الطيور.
مضيفًا أن هذا الاكتشاف لا يفسر لغزًا حيّر العلماء لعقود فحسب، بل يفتح الباب أيضًا أمام احتمال امتلاك أنواع حيوانية أخرى وظيفة حسية جديدة مرتبطة بالجهاز المناعي.