الذكاء الاصطناعي في الصحافة.. أداة لتسهيل العمل أم تهديد لمهارات الصحفيين؟
يشهد قطاع الصحافة تحولاً متسارعاً مع توسع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، حيث باتت هذه التقنيات تؤدي أدواراً متعددة، بدءاً من اقتراح الأفكار وصياغة العناوين، وصولاً إلى المساعدة في تحرير النصوص.
ورغم ما توفره من سرعة وكفاءة، يحذر خبراء الإعلام من أن الاعتماد المفرط عليها قد ينعكس سلباً على مهارات الصحفيين، ويؤثر في تنوع المحتوى وجودته.

الذكاء الاصطناعي يسهل مهام التحرير
يرى مختصون أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي أصبحت أداة مساعدة فعالة في العمل الصحفي، خاصة في المهام التي تتطلب سرعة في الإنجاز، مثل اقتراح عناوين الأخبار وتطوير الصياغة اللغوية.
ووفقاً لتقرير أعدته أنيكا كولير-نيفرولي، الأستاذة في كلية الصحافة بجامعة كولومبيا، فإن كتابة العناوين تُعد من أبرز المجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم فيها، بفضل التطور الكبير الذي شهدته النماذج اللغوية وقدرتها على اقتراح عناوين مناسبة تتوافق مع مضمون المادة الصحفية.

المراجعة البشرية لا تزال ضرورة
ورغم الإمكانات المتقدمة لهذه التطبيقات، يؤكد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل المحرر البشري، خاصة في مرحلة المراجعة النهائية، التي تتطلب التحقق من دقة المعلومات وسلامة الصياغة والالتزام بالمعايير المهنية.
ويؤكد الباحث الإعلامي الأمريكي يوشان أكو، رئيس ومؤسس مركز الإعلام ومبادرات السلام في نيويورك، أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة تقنية داعمة، لكنه لا يستطيع استبدال الذكاء البشري.
موضحاً أنه يمكن أن يساعد في اختيار المفردات واقتراح المرادفات وتحسين جودة الكتابة، بينما تبقى مسؤولية التقييم النهائي على عاتق الصحفي.

مخاطر قانونية تتعلق بالملكية الفكرية
في المقابل، يحذر تقرير جامعة كولومبيا من مخاطر استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحرير المواد الصحفية غير المنشورة.
إذ إن رفع هذه المواد إلى منصات الذكاء الاصطناعي قد يثير تساؤلات تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، واحتمال استخدام المحتوى لاحقاً في تدريب النماذج، وهو ما قد يعرض الصحفيين والمؤسسات الإعلامية لمخاطر قانونية وأمنية.

صناعة الذكاء الاصطناعي تعتمد على المحتوى الصحفي
ويشير التقرير إلى أن صناعة الذكاء الاصطناعي، التي تقدر قيمتها بنحو ثلاثة تريليونات دولار، استفادت بشكل كبير من المحتوى الذي أنتجه الصحفيون في تدريب نماذجها، دون الحصول على موافقة أو تقديم تعويضات لصناع هذا المحتوى.
كما أظهر تحقيق أجرته صحيفة "واشنطن بوست" أن نصف المواقع العشرة الأكثر استخداماً في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي كانت مواقع إخبارية، ما يعكس اعتماد الشركات المطورة لهذه التقنيات على الإنتاج الصحفي بصورة واسعة.
البيانات الاصطناعية تثير مخاوف جديدة
وفي ظل تراجع حجم البيانات المتاحة للتدريب، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي في استخدام ما يعرف بـ"البيانات الاصطناعية"، وهي بيانات ينتجها الذكاء الاصطناعي نفسه، وفقاً لما ذكرته مجلة كولومبيا للصحافة.
ويرى خبراء أن هذا التوجه قد يؤدي إلى تضاعف الأخطاء والانحيازات، فضلاً عن زيادة ما يعرف بـ"هلوسة الذكاء الاصطناعي"، التي تتمثل في إنتاج معلومات غير دقيقة أو غير صحيحة.

دعوات لوضع ضوابط أخلاقية ومهنية
وشدد يوشان أكو على أهمية وضع قواعد واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، مع تحديد ضوابط لمشاركة المعلومات السرية عبر هذه التطبيقات.
مؤكداً أن التطور السريع للتقنيات الرقمية يفرض مراجعة أخلاقيات العمل الإعلامي وتحديث المعايير المهنية بما يضمن الاستخدام المسؤول لهذه الأدوات.
كما أوصى بضرورة التحقق من جميع المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، وعدم الاعتماد عليها كمصدر نهائي، حفاظاً على مصداقية المحتوى الصحفي.
الاعتماد المفرط قد يضعف الإبداع والتنوع
ويرى الخبراء أن الخطر الأكبر لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في الاعتماد الكامل عليه، إذ قد يؤدي ذلك إلى تراجع مهارات الصحفيين بمرور الوقت.
فضلاً عن تشابه القصص الصحفية والعناوين وزوايا المعالجة نتيجة اعتماد التطبيقات على أنماط متكررة في إنتاج المحتوى.
وفي السياق ذاته، أشارت مجلة كولومبيا للصحافة إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي تعتمد أيضاً على مسودات المستخدمين والأوامر النصية التي يكتبها البشر لتطوير نماذجها.
فيما كشفت دراسة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد أن شركات كبرى، من بينها أمازون وأنثروبيك وجوجل وميتا ومايكروسوفت وأوبن إيه آي، تستخدم بيانات محادثات المستخدمين لتحسين أداء نماذج الذكاء الاصطناعي.
الأمر الذي يعزز أهمية الوعي بسياسات الخصوصية عند استخدام هذه التطبيقات في العمل الصحفي.