مدحت الشريف: التمويل الاستهلاكي مؤشر على الضغوط الاقتصادية ويجب حوكمة الشركات
أكد الدكتور مدحت الشريف، الخبير الاقتصادي، أن التوسع الكبير في نشاط شركات التمويل الاستهلاكي يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر المصرية، مشددًا على أن هذه الشركات تؤدي دورًا مهمًا في تلبية الاحتياجات العاجلة للمواطنين، إلا أنها تحتاج إلى قواعد حوكمة ورقابة أكثر فاعلية لضمان الحد من الممارسات الخاطئة.
حجم الضغوط على الأسرة المصرية
وقال الشريف في تصريحاته لـ"نيوز رووم" إن مؤشرات التمويل الاستهلاكي توضح بصورة مباشرة حجم الضغوط الاقتصادية الواقعة على الأسرة المصرية، موضحًا أن بدايات هذا النشاط تعود إلى نحو عامي 2019 و2020، حيث بلغ حجم التمويل آنذاك نحو 1.7 مليار جنيه، بينما كان عدد العملاء يقارب مليونًا و300 ألف عميل.
وأضاف أن حجم التمويل قفز حتى عام 2025 إلى نحو 96 مليار جنيه، مع وصول عدد العملاء إلى نحو 12 مليون عميل، وفقًا للتقارير الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية، معتبرًا أن هذه الأرقام تعكس اتجاه المواطنين بصورة متزايدة إلى الاقتراض الاستهلاكي نتيجة الضغوط المعيشية.
تشدد البنوك دفع المواطنين إلى شركات التمويل
وأوضح الشريف أن البنوك أصبحت أكثر تحفظًا في منح القروض الاستهلاكية الصغيرة، في ظل ارتفاع معدلات المخاطر، وهو ما دفع شريحة كبيرة من المواطنين إلى اللجوء لشركات التمويل الاستهلاكي للحصول على احتياجاتهم التمويلية.
وأشار إلى أن القروض الضخمة التي شهدت تجاوزات في السابق دفعت القطاع المصرفي إلى تشديد شروط منح التمويل، خاصة لأصحاب الدخول المحدودة، الأمر الذي جعل شركات التمويل البديل الأكثر انتشارًا.
تراجع الادخار واتجاه السيولة إلى الاستهلاك
وأكد الشريف أن تراجع معدلات الادخار داخل الجهاز المصرفي يعكس تغيرًا في سلوك المواطنين، موضحًا أن نسبة الادخار التي كانت تدور حول 15% قبل سنوات تراجعت إلى ما يقارب 1% و1.2%.
وأضاف أن المواطنين أصبحوا يوجهون دخولهم إلى شراء السلع الأساسية والاحتياجات المعيشية، في ظل ارتفاع معدلات التضخم، لافتًا إلى أن كثيرًا من المواطنين أصبحوا يفضلون شراء احتياجاتهم اليوم حتى لو كان ذلك من خلال التمويل، بدلاً من تأجيل الشراء مع استمرار ارتفاع الأسعار.
البنوك تفضل الاستثمار في أدوات الدين الحكومية
وأشار الشريف إلى أن جزءًا كبيرًا من السيولة داخل البنوك أصبح يتجه إلى الاستثمار في أذون وسندات الخزانة باعتبارها أقل مخاطرة وأكثر ضمانًا، وهو ما قلل من دور البنوك في تقديم التمويل المباشر للأفراد، وأتاح مساحة أكبر لشركات التمويل الاستهلاكي للتوسع.
وأوضح الشريف أن الهيئة العامة للرقابة المالية أعلنت أن نسبة التعثر في شركات التمويل، رغم ضخامة حجم التمويل وعدد العملاء، لم تتجاوز حتى الآن 3%، معتبرًا أنها نسبة محدودة.
وأكد أن انخفاض معدل التعثر لا يمنع ضرورة وضع قواعد حوكمة أكثر صرامة لضمان استمرار النشاط بصورة سليمة.
لا يجب التضييق على الشركات
وشدد الشريف على ضرورة عدم التضييق على شركات التمويل أو تقليص نشاطها، مؤكدًا أنها تلبي احتياجات عاجلة لشريحة كبيرة من المواطنين الذين لا يستطيعون الحصول على تمويل من البنوك.
وأضاف أن التضييق على هذه الشركات قد يدفع بعض المواطنين إلى اللجوء إلى وسائل غير قانونية للحصول على الأموال، مؤكدًا أن المطلوب هو تنظيم النشاط وليس إيقافه.
البنك المركزي بدأ إجراءات تنظيم النشاط
وأشار الشريف إلى أن البنك المركزي بدأ اتخاذ إجراءات لتنظيم السوق، من بينها إلزام شركات التمويل بإدراج العملاء داخل منظومة الاستعلام الائتماني "I-Score"، من خلال كود تعريفي موحد لكل عميل.
وأوضح أن هذه الخطوة ستمنع حصول العميل على قروض متعددة من شركات مختلفة دون وجود قاعدة بيانات موحدة، بما يساعد على ضبط منح الائتمان.
دعوة لإنشاء منظومة شكاوى فعالة
وطالب الشريف الهيئة العامة للرقابة المالية بإنشاء منظومة إلكترونية سهلة لتلقي شكاوى المواطنين على مدار الساعة، حتى يتمكن أي متضرر من تقديم شكواه بسرعة ودون تعقيدات.
كما طالب بتفعيل دور جهاز حماية المستهلك بصورة أكبر في متابعة نشاط شركات التمويل، باعتباره جهة معنية بحماية حقوق المستهلك، إلى جانب قيامه بحملات توعية للمواطنين بحقوقهم.
عقوبات رادعة للمخالفين
وأكد الشريف ضرورة توقيع عقوبات رادعة على الشركات التي ترتكب مخالفات، مشيرًا إلى أن هيئة الرقابة المالية هي الجهة المختصة بالإشراف على شركات التمويل غير المصرفي، ولها صلاحية تفعيل أحكام القانون أو اقتراح تعديلات تشريعية عند الحاجة.
وأضاف أن مجلس النواب يستطيع دعم هذا الاتجاه من خلال إدخال نصوص قانونية أكثر حسمًا لمواجهة التجاوزات التي قد تحدث داخل بعض الشركات.
التمويل متناهي الصغر يحتاج رقابة ميدانية
وتطرق الشريف إلى نشاط التمويل متناهي الصغر، مؤكدًا أن هذا النوع من التمويل يمكن أن يحقق نتائج إيجابية إذا اقترن برقابة حقيقية ومتابعة مستمرة للمشروعات الممولة.
وأشار إلى أن دولًا مثل الصين تعتمد بصورة كبيرة على المشروعات متناهية الصغر في دعم الاقتصاد، ولكن وفق منظومة رقابية دقيقة تضمن تنفيذ المشروعات على أرض الواقع.
كما استشهد بتجربة جمعية مصر الخير في بعض المناطق، موضحًا أنها كانت تعتمد على المتابعة الميدانية المستمرة للمشروعات من خلال فرق متخصصة، بما يضمن نجاح التمويل وتحقيق أهدافه.
تنسيق بين الجهات الرقابية
ودعا الشريف إلى وجود تنسيق كامل بين الهيئة العامة للرقابة المالية ووزارة التضامن الاجتماعي وجهاز حماية المستهلك، بحيث تعمل هذه الجهات وفق منظومة رقابية موحدة، بدلاً من عمل كل جهة بصورة منفصلة.
وأكد أن وجود قواعد إشراف واضحة وتوزيع محدد للاختصاصات سيعزز من حوكمة القطاع ويحد من التجاوزات.
مزايا التمويل الاستهلاكي
وأوضح الشريف أن التمويل الاستهلاكي يوفر عدة مزايا، في مقدمتها تلبية الاحتياجات العاجلة للفئات الأكثر احتياجًا والطبقة المتوسطة، خاصة مع صعوبة الحصول على التمويل من البنوك.
وأضاف أنه يسهم كذلك في تقليل بعض صور الجريمة الناتجة عن الحاجة المالية، كما يساعد على تنشيط حركة البيع والإنتاج داخل المصانع والأسواق من خلال زيادة القوة الشرائية للمواطنين.
وأشار أيضًا إلى أن التمويل الاستهلاكي يساعد كثيرًا من الشباب على استكمال تجهيزات الزواج وشراء الأجهزة المنزلية في ظل ارتفاع الأسعار.
سلبيات النشاط
وفي المقابل، أوضح الشريف أن من أبرز السلبيات تراجع معدلات الادخار داخل البنوك، واتجاه المواطنين إلى الاستهلاك بصورة أكبر، وهو ما ينعكس على الاقتصاد الكلي.
وأضاف أن ضعف الحوكمة في بعض الحالات أدى إلى انتشار ممارسات مثل حرق السلع، والحصول على تمويل لمشروعات غير قائمة على أرض الواقع، فضلًا عن ضرورة تشديد الرقابة على مصادر تمويل الشركات لضمان عدم استغلالها في عمليات غسل الأموال.
وشدد على أن تطوير منظومة التمويل الاستهلاكي يتطلب تحقيق التوازن بين استمرار دورها في تلبية احتياجات المواطنين، وبين تعزيز الرقابة والحوكمة لضمان حماية المستهلك والحفاظ على استقرار القطاع المالي.