عاجل


​حيث يلتقي ظلال الغار بتلاطم أمواج البحار، هناك وُلدت المعادلة القيادية الصعبة: بين دقة التخطيط ووهج اليقين، بين حسابات الأرض وفقه السماء، فمن باطن الغار المكي انبثقت أولى شفرات "الهندسة الاستراتيجية"، ومن ضفاف البحر المتلاطم يُعلن أول قرار سيادي قبل انفلاق الماء، ولعل المتأمل في سير الزمان ومسيرته يدرك وهج التلاقي المعرفي بين النبرة القرآنية وطيات السيرة في مسارين تحوليّين أدارا الأمة وجوداً وفقهاً: مسار الهجرة فبناء الدولة، ومسار الخروج فتأسيس الشريعة، وقد جريا وفق ناموس سنني واحد؛ مزاوجة بين حسابات الأرض المادية "مهارة الدليل" وفقه السماء الإيماني "ثبات القلب"، ولعل هذا هو مدار التدافع في عالمي المثل والواقع: كيف تُصاغ الأزمة في أوج عتوها؟ وكيف يُعاد تشكيل الوعي لينقذ الإنسان من وهاده؟ وكيف تُبنى الكيانات من رحم أخطارها؟ هنا تكون النقلات النوعية للكيفيات من دائرة مفاهيمها إلى تلمس ماصدقاتها، في معطيات لأبٍ واحد وعلات شتى من مظاهرها.
​وتتجلى أولى هذه المظاهر في غرفة عمليات الغار، حيث يتصدر الوعيُ قبل السعي، فإذا تأملنا الغار في شتى صوره ومشاهده، نجد عبقرية التدافع بَرَاءٌ من الارتجال، وخلاص من التواكل، فقبل الإذن بالهجرة والخروج، رُسمت خطة الانتقال من المعاني إلى المباني، ومن إبداع الفكر إلى دقة الفعل؛ فثمة توقيت حرج "هجرة تُربَّى على أعين الإذن"، وحليف عقدي "الصديق قبل الطريق"، ودليل ماهر "خبير المسالك" ولو من خارج الاعتقاد والفكر، ومسار معاكس للتمويه، وملاذ مؤقت في بطن الغار مع سير ليلي حذر، ما أعظمها من هندسة! تلاحمٌ بين الأخذ بالأسباب كأنها كل شيء، وبين التوكل على المسبب كأنها لا شيء، وهذا درس لكل متأرجح بين مادية تختال وهماً بين النواصب، وتواكل ساذج يبدد المكاسب؛ فالسنن في كون الله وجريان الحياة لها سلطانها، فتُساق الحوادث أمامها بأصوات من الرعد وسياط من البرق أنْ: كُنْ ماهراً في أداتك، راسخاً في عقيدتك؛ خَطِّط للأسوأ، واصبر للأفضل، لتكون العبرة المستقاة: لا تُقدّم التوكل على الأسباب فيضيع السبب، ولا تُقدّم الأسباب على التوكل فيموت القلب؛ وخذ بالأسباب يقيناً، وتوكل على المسبب عملاً.
​وانتقالاً من بطن الغار إلى جبهة البحر، تبرز المعادلة القيادية في تحقيق السيادة قبل الانفلاق، فإذا ما نظرنا إلى جبهة البحر مع كليم الله موسى، نجد السنة ذاتها في سياق مغاير؛ عدوٌّ يطوِّق الأفق بجيشه، وجغرافيا أظلمت الآفاق ببحر متلاطم، وأتباع تحت وطأة "الوعي المنهزم" يهتفون: "إنا لمدركَون"، هنا تنكشف الأزمة: ليست حصار أجساد، بل حصار أفكار، فالإداري الملهَم لا يبدأ بكسر البحر، وإنما يبدأ بكسر اليأس، فإذا ما نطقوا بلسان المادة، أجابهم بمنطق السنن: "كلا إن معي ربي سيهدين"، إن قاعدة التأسيس هنا تقتضي أنه قبل تبديل الواقع وتغييره، لا بد من تبديل في المعجم وألفاظه؛ استبدل ألفاظ الانسداد بعبارات الامتداد، فمن لا يملك خطاب الأمل واليقين، لا يملك فريق النجاح والعبور، والإداري المؤيَّد يعلم أن موازين القوى المادية تنكسر إذا اصطدمت بموازين القوى الإيمانية، وأن العصا التي شقت البحر كانت في يد قلب آمن قبل أن تكون في يدٍ رفعت بالذنوب والآثام، وتبقى العبرة: لا تبدأ بالبحر فيغرقك الماء، وابدأ باليقين فينشق الماء؛ غيِّر لغة الفريق قبل أن تغيّر جغرافيا المعركة، هنا يدركك لطف المدد من السماء، وخيوط التوفيق من الأرض، ولن تضيع أمة عاشت في مشروعها بين مدد ربها وأقدار توفيقها.
​ومن شواخص المثل وشواهدها في وشائج القربى بين بحر الكليم وغار الحبيب، ينبثق فقه الكفاءات متجاوزاً مطلقية الولايات إلى تبني الكفاءة الفاعلة في المشهدين، فالنبي ﷺ لم يقدّم القرابة على الكفاءة، بل قدّم الخبرة والكفاءة باختياره "دليل المسالك وخبير الممالك" ولو على غير دينه، لأن الاختيار الفاعل ميزانه الكفاءة في نزاهة صورها وشدة ظهورها، وموسى عليه السلام لم يرضَ بالتفرد، بل طلب التكامل: "هارون أخي اشدد به أزري"، لأن الريادة في حقيقة أمرها تضافر لا تفرد، وتكامل لا تنافر، والإداري الحصيف لا يطلب مرايا تعكس صورته، بل يطلب عقولاً تجبر كسره: ثبات المال، وحسم القرار، ومخاطرة المعرفة، وبيان السياسة؛ ليقينه أن المؤسسات لا تنهار لنقص الموارد، بل لسوء توظيف الكفاءات، ولا تسقط لقلة الأفراد، بل لغياب التكامل، فأبو بكر للمال والموقف، وعمر للحسم الدستوري، وعلي للمخاطرة المعرفية، وهارون للإعلام الذي يقتضي دبلوماسية الإفصاح والبيان، ومن ثَمَّ نَعِي أن البناء لفريق العمل لا يكون باستنساخ صور راكدة مكررة، بل حقيقة البناء والإبداع فيه أضلاع اختلفت فتكاملت فساغت للشرابين وسرت الناظرين؛ فما نجاح المؤسسات إلا إدراك أن التماثل موت، والتنوع حياة.
​وإذ أمعنا في منهج إدارة التنوع وفلسفة الاستيعاب، وجدنا فقهاً إدارياً يدندن حول صنوف الإعجاز، متحولاً من إدارة الثأر إلى إدارة العقد، لقد خرج النبي ﷺ من مكة وقد كان بين جنباتها محاصراً، بيد أن حصار الأبدان لم يحل دون تحليق الأرواح وإبداع الأفكار، لذا كان أول دستور صاغه صلى الله عليه وسلم في يثرب "وثيقة المدينة" يعبر عن فلسفة الاحتواء وقانون الاستيعاب بمثابة عقد اجتماعي يجمع المختلف تحت بند سيادي صارم: "الظالم محارب كائناً من كان"، وموسى عليه السلام بعد انفلاق البحر لم ينكفئ على ثأر قديم يطلبه، بل نزل بشريعة قوامها العدل بين بني الإنسان، فالقيادة التي أُلهمت رشدها من ربها وهو العالِم بها لم تكن لتبني مشروعيتها على أنقاض الآخر وسحقه، بل على ترسيخ أشعرية تشاركية في المصير والقرار، وذلك مفرق البحرين بين إدارة الثأر التي تقصي لتفني، وإدارة الرسالة التي تحق الحق لتستوعب فتبقى. وهذا عين الخلد لسراقة راوياً لبشارة سواري كسرى، وبها غدا سحرة فرعون طليعة شهداء الحقيقة وكانوا أعلم بها وأهلها فتوجهوا بها إلى الحقيق والزعيم بها: "آمنا برب هارون وموسى"، فالمؤسسات لا تُقاس بعدد من أقصت، بل بعدد من استوعبت، ولا تُبنى على أنقاض الخصوم، بل على عهود تشاركهم ودمج إرادتهم، وفي هذا تكمن العبرة: لا تحكم بسيف الثأر فيقصر عمرك، واحكم بميزان العدل فيطول أثرك؛ ومن غَيَّبَ المستَحِقَّ غاب، ومن استوعب الآخر ساد، وما سلطان الحقيقة في مطلق إدراكها وإنما في بذل الجهد في الوقوف عليها واقتفاء أثرها: "ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً".
​وهنا تتكامل هذه المعاني التربوية لتصنع نموذجاً في كسر المألوف وهندسة البدائل، والتي تتجلى في هجرة عبر طريق غير مطروق، وفي تشريع صوم عاشوراء لمخالفة المركزية الثقافية التي اعتاد الناس طوافاً من حولها، والقاعدة هنا في أوليات استنباطها: أن الكيانات المبدعة لا تسير في مربعات أقرانها، بل تنسج فضاءها الخاص بها؛ فلا تنتظر من فرعون فتح البحر، بل شعارها ودثارها: اشقق طريقك بعصا المبادرة؛ ولا تترقب من قريش أمان الدار، واصنع بديلك في قفر التحدي، وكن ثابتاً في مركزية ذاتك لا متقلقلاً في أفلاك غيرك، فما تميزك إلا قرار سيادي، به لن تكون صدى لغيرك، بل أصلاً مستقلاً يتشبث المبدعون بأصوله ويستظلون بفروعه، والمؤسسات العظيمة لا تنتظر إذناً من قرنائها لتتحرك، ولا تستجدي مساراً من محيطها لتتقدم، بل تصنع محيطها الأزرق بيدها، وتشق طريقها بعصا إرادتها، ومن ثم تتبلور همسات الآذان في وصايا الأولين للآخرين: لا تكن صدى يردد غيره، وكن أصلاً يصنع في العالمين مجده؛ فالتبعية ذل، والاستقلال عز، والذل والعز في أبجديات الأحرار لا يترادفان ولا يجتمعان.
​ولا تتم أدوات الإبداع التربوي والإداري إلا بـ "فقه الانعزال الاستراتيجي"، حيث يتصدر الغارُ قبل الديوان، ففي الهجرة النبوية ثلاث ليال في الغار تسبق طفرة عقد الدستور وتأسيس الدولة، وأربعون ليلة في الطور تسبق استلام الشريعة وأنوار التلقي؛ وهكذا كل انطلاقة حضارية تسبقها خلوة معرفية، والقائد الذي تبتلعه التفاصيل يفقد بوصلة توجهه، فالعمل بلا تأمل عمى، والتأمل بلا عمل عجز، والجمع بينهما حكمة ورشد.
فالإداري المسدد والمؤيد هو من يغلق باب مكتبه ساعة، ويدخل "غاره الإداري" ليزن الأهداف ويصحح المسار، فالعزلة عند أولي الألباب والنهى ليست هروباً من الواقع، بل غوصاً في أعماق السنن، وليست ترفاً، بل ضرورة تأسيسية وقفزة تأملية، فمن لم يختلِ بنفسه ضاعت رؤيته، ومن لم يراجع تصوراته تشوشت خطته، ومن لم يتدبر في عواقب أمره أصبح من النادمين. فصاحب البصيرة يخاطب نفسه بلسان حاله: لا يكن يومك كله اجتماعاً فتعمى، ولا يكن كله خلوة فتعجز؛ بل اجمع بين الغار والديوان، بين التأمل والبيان.
​وليكن حظك موفوراً من صلابة الغاية ومرونة الوسيلة؛ فالغاية شاخصة واحدة ظاهرة متفردة وهي إقامة القسط وسعادة الإنسان، أما الوسائل فمتغيرة؛ مرة يُشق البحر بقدرة، ومرة تُقطع البيداء بخطة، ومرة يُتخذ الغار ستراً. والقائد الرشيد لا يُوثَق بالوسائل حتى تُوثَق به المؤسسة، ولا يُقدّس الآليات حتى تُقدَّس على حساب الغاية؛ فإذا عثرت الوسيلة لم تعثر الرسالة، وإذا انكسرت الآلة لم تنكسر الفكرة، فيظل مستمسكاً بحبل اليقين "إن معي ربي"، رشيقاً في الجواب، راسخاً في الخطاب، يجيب عن سؤال الكيف بأنوار "سيهدين"، فالوسائل خادمة لا مخدومة، وآلات لا غايات، فإن فشلت استُبدلت، وإن انكسرت جُبرت، وإن ضاقت وُسّعت؛ فلا تقدّس الوسيلة فتموت معها، وقدّس الغاية فتحيا بها، وكن على يقين أن المرونة في الآلات والصلابة في المبادئ.
​وبهذا تتحول من عابر إلى صانع؛ فمن أراد صناعة جيل وإدارة أزمة، فليلزم محراب مدرسة الغار والبحر؛ يتعلم من المحمدية إحكام التخطيط وهندسة البدائل، ويتعلم من الموسوية ثبات العقيدة والصلابة في وجه الخطيئة. وحينها يوقن أن الأزمات ليست مقابر مشاريع، بل مخاض ولادات؛ فالبحر الذي أغرق أحلام الخاطئين هو ذاته الذي حمل الكليم إلى ضفة الرسالة، والغار الذي حوصر فيه النبي هو ذاته النافذة التي أطلت منها أنوار الحضارة. فلا تتهيّب البحر المتلاطم، ولا تبتئس بضيق الغار، فمعه رب يقول "سيهدين" ومعه منهج يصدح "لا تحزن".
وهذا المزيج السنني كفيل بأن يحول الإداري من عابر في التاريخ إلى صانع له ومؤسس لأمجاده، فالتاريخ لا يكتبه الخائفون من البحر، ولا اليائسون في الغار، بل يكتبه الذين أخذوا بالأسباب وعلقوا القلوب بالمسبب. فلا تخف بحرك فيغرقك، ولا تضق بغارك فيحبسك؛ خذ بالأسباب وعلق قلبك، فمع اليقين ينشق البحر، ومع التخطيط يفتح الغار، وموعد المخلصين مع الفرج الصبح، أليس الصبح بقريب.

تم نسخ الرابط