ليست كل النصوص العظيمة معروفة الأب. فبعضها يولد مرة واحدة، ثم يمضي في الحياة حتى يصبح أكبر من صاحبه، وأوسع من اسمه، وأقدر على البقاء من أي توقيع في آخر الصفحة. ولعل موشح "لما بدا يتثنى" هو المثال الأجمل على ذلك؛ نصٌ ظل قرونًا يتردد على الألسنة، بينما بقي السؤال عن مؤلفه مفتوحًا، وكأن التاريخ تعمّد أن يتركه بلا بطاقة تعريف، ليصبح ملكًا للجميع.
لما بدا يتثنى
حِبي جماله فتنا
أومأ بلحظةٍ أسرنا
غصنٌ سبى حين مال
يُعد هذا الموشح واحدًا من أشهر الموشحات العربية، بل يراه كثير من النقاد أشهرها على الإطلاق. وليس ذلك بسبب جمال ألفاظه وحدها، وإنما لأنه ينتمي إلى فنٍ أحدث ثورة هادئة في بنية القصيدة العربية. فبينما التزمت القصيدة التقليدية وحدة الوزن والقافية، جاء الموشح الأندلسي ليمنح الشعر مساحة أرحب للحركة، فتنوعت القوافي، وتحررت البنية الإيقاعية، واختلطت الفصحى أحيانًا باللهجات المحلية، ليولد شكلًا شعريًا جديدًا، أقرب إلى الغناء منه إلى الإلقاء، وكأنه كُتب منذ البداية ليُغنّى لا ليُقرأ فقط.
لكن المفارقة أن هذا النص، على شهرته، لا يزال يعيش حيرة النسب. فمن المؤرخين من ينسبه إلى الشاعر والوشاح الأندلسي لسان الدين بن الخطيب، وهو الرأي الأشهر، مستندين إلى الأسلوب الأندلسي الواضح، وإلى التشابه الكبير بينه وبين موشحاته الأخرى. بينما يرى آخرون أنه من نظم أو أداء المغني المصري محمد عبد الرحيم المسلوب، بل إن بعضهم ينسب اللحن إليه أيضًا، باعتباره أحد أبرز المجددين في الموسيقى العربية خلال القرن التاسع عشر.
وربما لن يُحسم هذا الخلاف أبدًا، لكن اللافت أن الموشح لم ينتظر اتفاق المؤرخين حتى يعيش. فقد اختار طريقًا آخر؛ طريق الناس.
وعدي ويا حيرتي
ما لي راحمٌ لشكوتي
في الحب من لوعتي
إلا مليك الجمال
آمان… آمان
آمان… آمان
خرج من المخطوطات إلى الحناجر، ومن دواوين الشعر إلى المسارح، ومن صفحات التراث إلى الذاكرة الموسيقية العربية. وهنا تبدأ حياة النص الثانية؛ الحياة التي لا يصنعها النقاد، بل يصنعها الفن.
منذ بدايات القرن العشرين بدأت التسجيلات الصوتية تحفظ هذا الموشح للأجيال. فسجله المطرب المصري سيد الصفتي عام 1910، ثم غناه محيي الدين بعيون عام 1920، وتبعته المطربة الشامية ماري جبران، ثم المصرية نادرة أمين. وبعد ذلك حملته أصوات عربية مختلفة، لكل منها مذاقها الخاص؛ فغنته نور الهدى، وأعادت فيروز إليه شيئًا من روح الأندلس الحالمة، بينما منحه الشيخ إمام بعدًا مختلفًا بطريقته الخاصة، ثم عاد في العقود الأخيرة بأصوات مثل لينا شاماميان وسعاد ماسي، وغيرهما من الفنانين الذين اكتشفوا أن النص لا يزال قادرًا على مخاطبة الوجدان، مهما اختلف العصر.
وهنا تكمن عبقرية هذا الموشح. فهو لم يبقَ أسير مدرسة غنائية واحدة، ولا منطقة جغرافية واحدة، ولا حتى زمن واحد. لقد كان نصًا مرنًا بما يكفي ليحتمل عشرات القراءات الموسيقية، وثابتًا بما يكفي ليظل محتفظًا بروحه في كل مرة يُعاد فيها غناؤه.
ولعل هذا يطرح سؤالًا يستحق التأمل: هل خلود النص مرتبط باسم صاحبه، أم بجماله وقدرته على التجدد؟
في زمننا تبدو أسماء المؤلفين أحيانًا أكبر من أعمالهم، بينما يقدم لنا «لما بدا يتثنى» درسًا مختلفًا؛ فالنص الحقيقي لا يعيش لأن الناس تحفظ اسم كاتبه، بل لأنهم يجدون أنفسهم فيه. وربما لهذا السبب لم يضره أن يختلف المؤرخون حول مؤلفه، كما لم يضره أن تتعدد ألحانه وأصوات مغنيه. لقد تجاوز كل ذلك، وأصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية.
وهكذا تنتهي رحلتنا في حلقات " من الشعر إلى الموسيقى" عند نصٍ لا تزال بدايته معروفة، أما حكايته فلا تزال مفتوحة. نصٌ عبر من الأندلس، أو ربما من غيرها، إلى كل بيت عربي، وحمل معه شاهدًا حيًا على أن الكلمة الجميلة لا تعرف حدودًا، وأن اللحن الصادق يستطيع أن يمنح الشعر عمرًا جديدًا كلما ظن الناس أنه بلغ نهايته.
فقد يختلف المؤرخون في اسم الشاعر، وقد تتباين الروايات حول اللحن الأول، لكن أحدًا لا يختلف على حقيقة واحدة: أن "لما بدا يتثنى " لم يعد مجرد موشح من التراث، بل أصبح قطعة من الوجدان العربي، تتوارثها الأجيال، وتثبت في كل مرة أن الفن العظيم لا يهزمه الزمن، ولا تُقيده هوية، بل يظل يتثنى في الذاكرة… كلما بدأ الغناء.