عاجل

السير حفاة على الجمر والثور المشتعل.. أسرار ليلة "سان خوان" في باراجواي

ليلة سان خوان
ليلة سان خوان

السير حفاة فوق الجمر المشتعل، قراءة الطالع عبر بيضة في كأس ماء، أو اختيار حبة بطاطس غامضة من تحت السرير؛ ليست هذه سوى ملامح بسيطة من طقوس وتقاليد قديمة تعود لتنبض بالحياة في  يونيومن كل عام، إنها "ليلة سان خوان"، الاحتفالية الاستثنائية التي تمزج بكفاءة بين الشعائر الدينية، والمعتقدات الشعبية، والجذور الثقافية العميقة لشعوب "الجواراني" الأصيلة.

ومع حلول هذه الليلة، تشهد مناطق ميسيونيس وكورينتس (في الأرجنتين)، ودولة الباراغواي، وجنوب البرازيل، حراكاً شعبياً حاشداً يشارك فيه الآلاف. حيث تتداخل العقيدة المسيحية المرتبطة بعيد القديس يوحنا المعمدان مع عادات فلكلورية توارثتها الأجيال لقرون. وتعود جذور هذه الممارسات في الأصل إلى احتفالات أوروبية قديمة مرتبطة بالانقلاب الصيفي، لكنها مع مرور الزمن اندمجت مع ثقافة الغواراني وسكان المنطقة المحليين (الكريول)، لتلد واحدة من أكثر الليالي حيوية ورمزية في أمريكا الجنوبية.

النار سيد الموقف: اختبار الشجاعة والتطهير

 

طقس "تاتا جيهاسا"

تتصدر "النار" المشهد كبطل مطلق لهذه الليلة، ومن أبرز طقوسها المرتقبة، ويعد طقس "تاتا جيهاسا" الاختبار الأكثر شهرة، وفيه يسير الشجعان حفاة الأقدام فوق طبقة من الجمر المتوهج. ويحظى هذا الطقس بشعبية هائلة في الباراغواي والمناطق الحدودية، بوصفه رمزاً للتطهير الروحي والشجاعة الروحية.

ويلعب النار دورًا محوريًا في احتفالات سان خوان، حيث يقفز الناس فوق النيران حتى سبع مرات لجلب الحظ السعيد. ويقوم آخرون بفرك أجسادهم بأوراق الغار قبل حرقها، في لفتة تهدف إلى إزالة الطاقة السلبية. كما تُحرق الأمنيات المكتوبة على الورق، وتُعتبر ثلاث قفزات فوق النار عند منتصف الليل بمثابة تأكيد على تحقيقها.

ثور القنديل 

يتم صنعه على هيئة مجسم على هيئة ثور محاط بالألعاب النارية والمفرقعات، يركض به أحد المغامرين وسط الحشود، مخلفاً وراءه موجات من الضحك، والركض، وجرعات مكثفة من الأدرينالين.

منطاد سان خوان الورقي

 بالونات ورقية تقليدية تطلق في السماء وتحمل في جوفها شعلة صغيرة، ورغم حظرها في العديد من المناطق اليوم بسبب مخاطر الحرائق، إلا أنها تظل أحد أكثر الرموز رسوخاً في الذاكرة الشعبية للاحتفال.

طقوس العرافة: قراءة ملامح المستقبل

لا تكتمل ليلة "سان خوان" دون محاولات استشراف الطالع، حيث تخصص رقعة واسعة من الليلة لألعاب التنبؤ بالمستقبل، ومنها:

نبوءة البيضة والماء

يقوم المشاركون بكسر بيضة داخل كأس من الماء وتركها طوال الليل، ومع بزوغ الفجر، تفسر الأشكال التي تتخذها زلال البيضة كإشارات ودلالات تدور حول الحب، أو العمل، أو السفر، أو الثراء المستقبلي.

اختبار حبات البطاطس الثلاث

 تقليد ذائع الصيت في الباراغواي؛ حيث توضع ثلاث حبات بطاطس تحت السرير قبل النوم (واحدة مقشرة بالكامل، والثانية نصف مقشرة، والثالثة بقشرتها كاملة). وعند الاستيقاظ، يسحب الشخص حبة واحدة دون النظر إليها، لتحديد المآل الاقتصادي والمالي للعام الجديد بناءً على حالة الحبة المختارَة.

أسماء تحت الوسادة

 تمارس الفتيات طقساً فريداً بكتابة أسماء مختلفة على قصاصات ورقية ووضعها تحت الوسادة، وفي الصباح يخترن ورقة عشوائياً، معتقدات أن الاسم المكتوب قد يعود لشريك المستقبل.

 

يعد "البروبيرا" عنصرًا أساسيًا في هذه الطقوس ، وهو عراف شعبي يرشد المشاركين خلالها، ويعتقد أن "البروبيرا" يمتلك موهبة التنبؤ والتفسير، ما يضمن فهم كل طقس على النحو الصحيح، سواء أكان ذلك بقراءة أشكال الشمع، أو فك رموز اختيارات الديك، أو شرح معنى رؤية المرآة، فإن "البروبيرا" يُحوّل الأفعال الرمزية إلى كشوفات شخصية، وتجسد هذه الشخصية التراث الشفهي في باراغواي، رابطة بين الخرافات والمجتمع والتراث الثقافي.

 

ملتقى الأجيال.. ونكهات الأصالة

إلى جانب الألعاب والطقوس، تتحول الاحتفالية إلى تظاهرة اجتماعية دافئة تجمع العائلات والجيران حول مواقد النار، ولا تغيب عنها الأطباق الإقليمية التقليدية التي تفوح برائحة التاريخ؛ مثل فطائر "المبيخو"، وخبز "التشيبا"، والشوربة الباراجوانية  واللحم المضفر (chicharrón trenzado)، وفطائر الكسافا باللحم "باخاغوا ماسكادا".

ورغم أن بعض العادات بدأت تتلاشى مع متطلبات العصر الحديث، إلا أن العديد من البلدات في شمال شرق الأرجنتين والباراغواي تستميت للحفاظ على هذه التظاهرة التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من هويتها الثقافية.

وتلخص العبارة الشهيرة بلغة الجواراني «Ára San Juan ára vy’a» والتي تعني: "يوم سان خوان هو يوم الفرح" روح هذه الليلة الساحرة؛ حيث تذوب الفوارق بين الصغار والكبار تحت ظلال لهيب النار المشتركة، متمسكين بإرث حيّ يتحدى النسيان ويعبر الأجيال.

تم نسخ الرابط