عاجل

في كل مرحلة من مراحل بناء الدولة، يظل السؤال الأهم: ما الدور الحقيقي الذي تقوم به الأحزاب السياسية في خدمة المواطن؟ وهل يكفي إطلاق المبادرات والشعارات حتى يشعر المواطن بأن هناك من يمثله ويعبر عن احتياجاته؟
خلال السنوات الماضية، شهدت مصر طفرة غير مسبوقة في تنفيذ المشروعات القومية التي امتدت إلى كل ربوع الوطن، من الطرق والكباري والمدن الجديدة إلى مشروعات الإسكان، وتطوير الريف، وتحديث البنية التحتية، وإنشاء الجامعات والمستشفيات، فضلًا عن جهود استعادة الأمن والاستقرار. هذه الإنجازات أصبحت واقعًا يراه المواطن بعينيه ويلمس أثره في حياته اليومية، ولم تعد مجرد عناوين في وسائل الإعلام أو بيانات رسمية.

لذلك، عندما تطلق بعض الأحزاب مبادرات تحمل عناوين براقه "، يبرز تساؤل مشروع: وهل المواطن المصري بحاجة فعلًا إلى ذلك المصري بطبيعته مرتبط بوطنه، ويعرف قيمة أرضه، ويعتز بتاريخها، ويقدر حجم ما تحقق من إنجازات على مدار السنوات الأخيرة. كما أن ما تم تنفيذه بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي أصبح حاضرًا في كل محافظة ومدينة وقرية، ولا يحتاج إلى تعريف بقدر ما يحتاج إلى الحفاظ عليه واستكمال مسيرة البناء.
القضية ليست في إطلاق مبادرة جديدة أو تنظيم فعالية تنتهي بالتقاط الصور ونشر البيانات، وإنما في أن تقدم الأحزاب نموذجًا عمليًا للعمل السياسي والخدمي. المواطن يريد من الحزب أن يكون قريبًا من مشكلاته، وأن يسهم في إيجاد حلول لها، وأن يتبنى قضاياه داخل الشارع، وأن يشارك في نشر الوعي الحقيقي القائم على الحوار والعمل، لا على الشعارات.
العمل الحزبي لا يقاس بعدد المؤتمرات أو اللافتات، وإنما بقدرته على تحسين حياة الناس، ومساندة الدولة في مواجهة التحديات، وإعداد كوادر سياسية مؤهلة، وطرح رؤى وأفكار قابلة للتنفيذ تخدم المجتمع. فالحزب الناجح هو الذي يشعر المواطن بوجوده في الأزمات قبل المناسبات، وفي ميادين العمل قبل قاعات الاحتفالات.
إن المرحلة الحالية تتطلب من الأحزاب أن تعيد تقييم أولوياتها. فبدلًا من البحث عن مبادرات تحمل عناوين براقة، ربما يكون الأجدى أن تقدم كشف حساب واضحًا للمواطن: ماذا قدمت؟ وما المبادرات التي تحولت إلى نتائج ملموسة؟ وما حجم مساهمتها في حل مشكلات المواطنين أو دعم جهود التنمية؟
لا أحد ينكر أهمية رفع الوعي الوطني، لكن الوعي الحقيقي يتشكل بالقدوة والعمل والإنجاز. والمواطن المصري أثبت في كل المواقف أنه يدرك قيمة وطنه، ويحافظ عليه، ويقف خلف دولته عندما تواجه التحديات. ولذلك فإن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الأحزاب، ليس لتعريف المواطن ببلده، بل لتعريف المواطن بما تستطيع هي أن تقدمه لهذا البلد.
اليوم، لم يعد المواطن يبحث عن الكلمات الرنانة، بل عن الأداء الصادق، والعمل الميداني، والخدمة العامة، والرؤية الواضحة. فهذه هي اللغة التي يفهمها الشارع، وهي المعيار الحقيقي الذي يمنح أي حزب ثقة الناس واحترامهم. أما المبادرات التي لا يرافقها أثر ملموس، فإنها سرعان ما تتلاشى، بينما يبقى الإنجاز الحقيقي هو وحده القادر على صناعة المصداقية وترسيخ الثقة.

تم نسخ الرابط