بدراوي يفتح دفتر أسرار الثورة:اتفاقات لإيصال الإخوان للحكم..ومصر تنتفض 30يونيو
- حسام بدراوي : خشيت على مؤسسات مصر من الاختطاف، لا على هويتها.. والأزهر والطيب منعوا انزلاقنا للخطر
- رئيسة البرلمان البريطاني تخبر بدراوي بـ"تفاهم غربي منذ 2005" لوصول الإخوان للحكم، ويرد: المصريون مدنيون ولن يقبلوا بالدينية
- بدراوي يعلن علمه بـ"اتصالات إيرانية مع الإخوان" لتشكيل جيش مواز، ويؤكد: 30 يونيو أجهضت مخططا لتقسيم سيناء والمنطقة
- البابا شنودة حذر من حكم الإخوان قبل 2011، وبدراوي يكشف خطأ إجراء البرلمان قبل الرئاسة الذي أوصل مرسي للحكم
- القوات المسلحة والمستشارة تهاني الجبالي في لحظة الحسم.. بدراوي: الجيش حمى الإرادة الشعبية و"تمرد" نموذج للإبداع المصري غير الموثق
يعيد الدكتور حسام بدراوي، المفكر السياسي وأحد شهود العيان على فترات التحول في مصر، تفسيرالمشهد السياسي منذ ثورة يناير 2011 وحتى ما بعد 30 يونيو 2013، ولم يكتف بدراوي في حديثه باستعراض الذاكرة، بل قدم قراءة نافذة للخبايا والأسرار التي رافقت تلك المرحلة، مؤكدا أن مصر كانت على حافة الهاوية، وأن تدخل المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف والقوات المسلحة، إلى جانب وعي الشعب، هو ما أعاد الأمور إلى مسارها الصحيح.
الأزهر والطيب.. وخطر اختطاف مؤسسات الدولة
أكد الدكتور حسام بدراوي أن ما أعقب ثورة 30 يونيو كان محطة فارقة في تاريخ مصر، مشيرا إلى أن المخاوف الحقيقية في تلك اللحظة لم تكن مرتبطة بضياع الهوية المصرية لكونها راسخة بعمق الحضارة بل كانت تتمحور حول خطر اختطاف مؤسسات الدولة وإعادة تشكيلها على أسس دينية مغلقة.
وكشف بدراوي عن لحظة شعر فيها بـ"القلق البالغ"، حين اعتلى الشيخ يوسف القرضاوي منبر الأزهر الشريف، معتبرا أن تلك اللحظة كانت بمثابة جرس إنذار بأن البلاد كانت على وشك الانزلاق نحو نموذج الدولة الدينية. وقال: "كنت مقتنعا بأنه إذا لم يتحرك المجتمع، كنا سنواجه هذا النموذج لفترة طويلة".
وفي موقف نادر، عبر بدراوي عن تقديره الكبير للإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، مؤكدا أنه كان يدرك حجم الضغوط الهائلة التي تعرض لها شيخ الأزهر، ومحاولات الزج بالمؤسسة الدينية في صراعات سياسية. وأشاد بـ"الحكمة والوضوح" اللذين تعامل بهما الإمام الأكبر، وتمسكه برسالة الأزهر الوسطية، مما ساهم في حماية المؤسسة من الانجراف وحفز القوى المدنية على رفض أي مرجعية دينية للدولة.
لقاء "لندن السري".. وكشف مخطط يعود لعام 2005
في واقعة استثنائية، استعاد بدراوي تفاصيل لقاء عقده مع رئيسة البرلمان البريطاني “في ذلك الوقت” بعد أحداث يناير 2011. قال إنه تلقى اتصالا من السفير المصري في لندن يخبره برغبتها في لقائه، لكن السفير اعتذر عن الترتيب بنفسه "بسبب الحساسية تجاه رموز النظام السابق" واكتفى بإعطاء رقم هاتفه لها.
وتابع: خلال اللقاء، سألتها عن سبب رفض السفيرتين الأمريكية والبريطانية لمقترحه الذي عرضه على الرئيس الأسبق حسني مبارك ونائبه، والذي كان يقضي بتنحي مبارك وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. وهنا كشفت رئيسة البرلمان البريطاني مفاجأة مدوية، مشترطة عدم نسب الكلام إليها، قائلة:"هناك تفاهم منذ عام 2005 يقضي بوصول جماعة الإخوان إلى الحكم في مصر، ثم امتداد التجربة للدول العربية"، معتبرة أن الجماعة تملك "تواصلا مع المجتمعات" سيجعلها تتحمل مسؤولية مواجهة التطرف.
المصريون أصحاب هوية مدنية
غير أن بدراوي رد عليها بحسم، مؤكدا أن هذا التقدير خاطئ، موضحا: "المصريون يبدون متدينين في مظهرهم، لكنهم في جوهرهم أصحاب هوية مدنية، يقبلون التعددية والاختلاف، ولن يقبلوا بدولة دينية". وأضاف أنه أخبرها بأن المصريين سيظهرون خلال عام أو عامين رفضهم لهذا المسار، وهو ما تحقق بالفعل في 30 يونيو، عندما خرج الملايين ليؤكدوا أن المجتمع المصري تحكمه الوجدان والثقافة المدنية، وليس المظاهر.
30 يونيو.. إجهاض مخطط كبير استهدف المنطقة
لم يصف بدراوي 30 يونيو بأنها مجرد ثورة داخلية، بل أكد أنها أجهضت مخططا واسعا استهدف المنطقة بأكملها، وقال: "إذا نظرنا إلى ما حدث في السودان وسوريا وليبيا، نجد أن المشهد كان يدور حول وصول تيارات دينية متشددة إلى الحكم".
وحذر من أن استمرار الحكم الديني في مصر كان سيؤدي إلى "تسليم شمال سيناء، وربما أجزاء من جنوب البلاد"، مشيرا إلى أن بعض التصورات التي طرحت لاحقا حول تهجير الفلسطينيين إلى سيناء كانت تعكس وجود أفكار لاستغلال المنطقة الحدودية.
كما أوضح أن مصر تعاملت مع السوريين واليمنيين والنازحين كضيوف مندمجين في المجتمع، وليس كلاجئين في مخيمات، وهي سمة تعكس الشخصية المصرية رغم أعبائها الاقتصادية، وهي سياسة مختلفة تماما عما كانت ستؤول إليه الأمور لو سار مشروع الإخوان.
تحذير البابا شنودة من "حكم الإخوان" ودور الكنيسة
في كشف آخر، قال بدراوي إنه عقب يناير 2011 تلقى رسالة من البابا شنودة الثالث - بابا الكنيسة الأرثوذكسية الراحل يطلب لقاءه، وأضاف أن البابا صرح له قائلا: "الشعب المصري لن يقبل بحكم جماعة الإخوان"، داعيا إياه لاتخاذ موقف مدني واضح لبناء دولة حديثة، وأكد بدراوي أنه طمأن البابا بأن موقفه ثابت، وأن مصر تملك فرصة ذهبية لتأسيس مجتمع مدني حر، وهو ما لاقى ترحيبا من البابا الذي كان يوجه الرسالة نفسها داخل الكنيسة، محذرا من محاولات إقامة دولة دينية.
"جسم غريب" والنخبة التي لم تركب الموجة
وصف بدراوي جماعة الإخوان بأنها كانت "جسما غريبا لفظه المجتمع"، مشيرا إلى أن الجماعة كانت تعتقد، مثل بعض الاستخبارات الغربية، أنها تملك تأييدا كاسحا، بينما كان الواقع مختلفا، وكشف أن الرئيس الأسبق محمد مرسي كان مقتنعا حتى اللحظات الأخيرة بأن ما يحدث في الشارع هو "صناعة إعلامية" وليس غضبا شعبيا، وهو "الغرور السياسي" الذي ساهم في سقوطهم.
خطأ إستراتيجي.. البرلمان قبل الرئاسة
اعترف بدراوي بأنه كان من المعارضين لإجراء الانتخابات البرلمانية قبل الرئاسية، وكشف أنه توجه مع عدد من ممثلي القوى المدنية إلى المشير محمد حسين طنطاوي محذرا من أن هذا الترتيب سيمنح الإخوان أفضلية كبيرة، وقال: "أكدت له أن حل الحزب الوطني خلق فراغا، وأن إجراء البرلمان أولا سيؤدي لحصول الإخوان على الأغلبية، وهو الطريق لرئيس منهم"، وأضاف أن إجراء الرئاسية أولا كان سينتج رئيسا مدنيا أو عسكريا، لكن ترتيب الاستحقاقات قلب الموازين.
تحصين القرارات وحصار "الدستورية"
بعد وصولهم للحكم، أشار بدراوي إلى أن الجماعة بدأت خطوات متسارعة لترسيخ وجودها، بدأت بإلغاء قرارات البرلمان السابق، ثم تعطيل المحكمة الدستورية العليا وحصارها، ومنعها من أداء دورها، إلى جانب تحصين القرارات الرئاسية. ووصف ذلك بأنه "مؤشر على الهيمنة على مؤسسات الدولة"، مشيدا بدور الإعلام الذي لم ينسق خلف هذه الممارسات، وبوعي الشعب الذي أعلن رفضه.
اتصالات إيرانية و"جيش مواز"
في أخطر كشفاته، قال بدراوي إنه علم لاحقا بوجود اتصالات بين الإخوان والحرس الثوري الإيراني بهدف إنشاء جيش مواز، معتبرا أن هذا يؤكد أن مصر كانت تتجه نحو "حيطة سد ونفق مظلم". وشدد على أن التحرك في 30 يونيو كان "حركة مدنية بامتياز" اعتمدت على وعي الشعب، وأن تحديد الموعد قبل وقوعه بفترة طويلة هو أمر غير مسبوق في تاريخ الثورات.
حملة تمرد.. وإبداع مصري لا يوثق
أشاد بدراوي بفلسفة حملة "تمرد"، مشيرا إلى أن المواطنين كانوا يشترون المنشورات على نفقتهم الخاصة ويوزعونها بأنفسهم كواجب وطني، وهو ما يعكس "الإبداع المصري". وتساءل عن سبب عدم توثيق هذه التجربة دراميا أو أكاديميا لتتعرف عليها الأجيال القادمة.
تهاني الجبالي والجيش.. لقطة فاصلة
وصف بدراوي المستشارة الراحلة “تهاني الجبالي” بأن وجودها في المحكمة الدستورية كان يثير قلق الإخوان، وأن شجاعتها كانت مصدر إزعاج لهم. كما أكد أن موقف القوات المسلحة كان مفصليا، مشيرا إلى أنها انحازت لإرادة الشعب وحمت هذا الانحياز، قائلا: "حماية الوطن والشعب هي المهمة الأساسية للجيش، وهذا الدور كان حاسما في عبور المرحلة".
يناير 2011.. فرصة ضائعة وتدخل خارجي
على خلاف الروايات السائدة، قال بدراوي إنه يرى أن دور الجيش في يناير لم يكن فقط منع الحرب الأهلية، بل كان هناك اتفاق مع مبارك على تنحيه وانتخابات مبكرة، لكن "دوائر أخرى" حالت دون التنفيذ. وأوضح أن الدستور كان ينص على تولي نائب الرئيس الحكم ل60 يوما، لكن هذا المسار لم يستكمل بسبب ضغوط داخلية وخارجية، معتبرا أن انتخابات رئاسية مبكرة كانت ستجنب مصر الكثير.
30 يونيو.. "شعب صنع الحدث"
وصف مشهد 3 يوليو بأنه استثنائي، وقال إنه اتصل بالدكتورة فايزة أبو النجا عقب البيان، وتعجبا معا مما حققه الشعب. وأشار إلى أن الإخوان كانوا يعدون لاعتقالات واسعة، لكن المجتمع المدني حين يتحرك وتحميه الدولة، يكون قادرا على تغيير التاريخ، مستذكرا ما حدث بعد 1967 وكيف وقف الشعب مع الجيش حتى نصر أكتوبر.
وفي نهاية اللقاء، أكد بدراوي على أنه لم يخش على الهوية المصرية لعمقها، بل خشي على الدولة من الاختطاف. وأكد أن الشعب المصري نجح خلال عام واحد في إسقاط مشروع استغرق سنوات في إيران وأفغانستان، معتبرا أن 30 يونيو أعادت فرز النخبة، وأظهرت الفارق بين الوطنيين والآخرين.
وفي رسالته الأخيرة، قال إن الجماعة لم تستطع ركوب ثورة 30 يونيو كما فعلت في يناير، لأن المصريين خاضوا تجربة حكمهم واكتشفوا ممارساتهم، فأصبحوا أكثر وعيا. وأكد أن الإرادة الشعبية تظل صاحبة الكلمة الأخيرة، وأن الشعوب قادرة على مراجعة اختياراتها، وهو الدرس الأهم الذي خلفته تلك المرحلة الفارقة.