لعب المنتخب فوق أحدها.. 5 مدن تحت الأرض حواضر خفية بالعالم تتحدى الطبيعة
لطالما أثارت المدن القبعية القائمة تحت الأرض فضولاً بشرياً جارفاً، مجسدةً أعظم صور التكيف الإنساني في مواجهة العوامل المناخية القاسية، الغزوات العسكرية، والتحولات البيئية المحيطة. وخلف عتمة باطن الأرض، تقبع عوالم مذهلة من الأنفاق، الغرف الممتدة، والمجتمعات المتكاملة التي نحتت بصبر ودقة في الصخور والمنحدرات؛ فبينما تأسس بعضها كملاجئ مؤقتة للاختباء، تطور البعض الآخر بمرور الزمن ليتحول إلى حواضر سكنية تضم منازل، ومستودعات تخزين، ودوراً للعبادة، ولعب المنتخب المصري فوق أحدهم في المونديال.
واليوم، تقف هذه الشبكات والمدن الخفية كشاهد حي على عبقرية الابتكار البشري في حل المعضلات الجيولوجية، مانحةً المسافرين والمؤرخين على حد سواء فرصة فريدة للارتداد زمنيّاً إلى وراء، واكتشاف الحياة وهي تدور بصمت وسكينة أسفل القشرة الأرضية. وإليك جولة صحفية تستعرض أشهر 5 مدن جوفية تذهل زوارها حول العالم:
1. ديرينكويو (تركيا) ــ معجزة التحصين القديم في كابادوكيا

تصنف مدينة "ديرينكويو" كواحدة من أكبر المدن الجوفية وأعمقها اكتشافاً في التاريخ البشري؛ إذ تمتد لعدة طوابق عميقة في جوف الأرض، وشيدت المدينة لتكون ملاذاً آمناً يحمي آلاف السكان لفترات طويلة من الغزوات الخارجية والتقلبات الجوية العنيفة، وجُهزت بروافد وقنوات تهوية عبقرية، غرف تخزين واسعة، وكنائس منحوتة.
تحولت اليوم إلى أحد أبرز المزارات السياحية في إقليم "كابادوكيا" الشهير، حيث يُسمح للسياح بزيارة واستكشاف طبقات متعددة منها، في حين تظل الأجزاء الأكثر عمقاً مغلقة لأسباب تتعلق بالسلامة والأمان.
2. المدينة الجوفية في مونتريال (كندا) ــ الحاضرة الحديثة النابضة بالحياة

على النقيض من المستوطنات الكهفية الغابرة، تمثل المدينة الأرضية في "مونتريال" شبكة عصرية متكاملة وصاخبة تمتد تحت شوارع المدينة الكندية، وتُعرف محلياً باسم شبكة "(RESO)".
صممت هذه الحاضرة الممتدة لأميال لربط مراكز التسوق الكبرى، الفنادق، المكاتب الإدارية، ومحطات المترو ببعضها البعض، لتتيح للسكان التنقل والعيش بحرية وبدرجات حرارة دافئة خلال مواسم الشتاء الكندية القاسية.
تعمل الشبكة بكامل طاقتها الاستيعابية، ويستخدمها يومياً آلاف المواطنين كوسيلة حياة وبنية تحتية حيوية لا غنى عنها، وتواصل التوسع والنمو كجزء من الطراز المعماري الفريد للمدينة.
3. كوبر بيدي (أستراليا) ــ التكيف مع جحيم الصحراء القاحلة

في قلب المناطق الداخلية النائية وشديدة الحرارة في أستراليا، اختار سكان بلدة "كوبر بيدي" طواعية نقل تفاصيل حياتهم كاملة إلى قاع الأرض هرباً من درجات الحرارة الحارقة التي لا تُطاق.
نحتت المنازل، والكنائس، وحتى الفنادق مباشرة داخل التكوينات الصخرية، مما يحافظ على برودة الأجواء الداخلية الطبيعية والراحة التامة دون الحاجة لأجهزة التبريد المكلفة.
لا تزال المدينة مجتمعاً حياً ومأهولاً بالسكان حتى اليوم، ويشكل القطاع السياحي ركيزة أساسية لاقتصادها؛ إذ يقصدها المسافرون من كل حدب وصوب للإقامة في الفنادق الجوفية واستكشاف نمط العيش الفريد في باطن الصخر.
4. منجم فياليتشكا للملح (بولندا) ــ فن وهندسة تحت ظلال اليونسكو

يتجاوز هذا الموقع الاستثنائي في بولندا كونه مجرد منجم قديم مستهلك؛ بل هو عالم خفي وقائم بذاته من المصليات، القاعات الفسيحة، والمنحوتات الفنية البديعة المنحوتة بالكامل من الصخور الملحية.
تتصل غرف المنجم المذهلة عبر ممرات ملتوية طويلة، وتعد الكاتدرائية الجوفية المنحوتة من الملح النقطة الأكثر سحراً وإبهاراً في الموقع، ممتزجةً فيها عراقة التاريخ، ببراعة الهندسة، وجمال الفن.
أدرج الموقع رسمياً على لائحة التراث العالمي لمنظمة "اليونسكو"، ويستقبل ملايين السياح عبر جولات إرشادية، ويستضيف فعاليات ثقافية وتحت أرضية، فضلاً عن تشغيل منتجعات صحية علاجية داخل بعض حجراته الملحية.
5. المدينة الأرضية في بكين (الصين) ــ حصن الدفاع في حقبة الحرب الباردة

شُيدت هذه الشبكة الأنفاقية الضخمة والمعقدة خلال ذروة حقبة الحرب الباردة في القرن الماضي، لتكون بمثابة ملجأ دفاعي استراتيجي جبار قادر على استيعاب ومواجهة الطوارئ لملايين السكان في العاصمة الصينية.
تشتمل المدينة على أنفاق ممتدة، قاعات اجتماعات سرية، ومساحات معيشية تعكس تخطيطاً عسكرياً ودفاعياً صارماً لحماية المدنيين في حالات الهجوم المفاجئ، وعلى الرغم من أن الجزء الأكبر من هذه المدينة لا يزال مغلقاً أمام الجمهور ويحاط بهالة من الغموض، إلا أن بعض القطاعات جرى تخصيصها بمرور الوقت للاستخدام كمستودعات تخزين أو فتحت لرحلات سياحية محدودة ومقننة، لتظل تثير فضول المؤرخين والباحثين حول العالم.
سياتل تحت الأرض.. لعب فوقها الفراعنة

تعد شوارع سياتل تحت الأرض شبكة مذهلة من الأرصفة والممرات التي كانت تُشكّل مركز المدينة الرئيسي. وتُمثّل هذه الشوارع، التي تُعدّ نتاجًا لتخطيط حضري مُتقن، نافذةً رائعةً على ماضي المدينة.
تدور قصة أنفاق سياتل حول حريق هائل اندلع عام ١٨٨٩ وألحق دمارًا كبيرًا بالمدينة. وعندما حان وقت إعادة البناء، قرر مخططو المدينة استغلال هذه الفرصة لرفع مستوى الشارع في المنطقة بأكملها، لتجنب مشكلة الفيضانات المتكررة. ولأن مستوى الشارع الجديد كان أعلى بحوالي ١٢ قدمًا من المستوى الأصلي، كان على المشاة تسلق السلالم للتنقل بين مستوى الشارع ومداخل المباني.
مع انتقال التجار إلى الطابق الأرضي الجديد، حرصوا على تزيينه بزخارف متقنة، لعلمهم أن الناس سيستخدمونه بشكل متزايد بدلاً من الطابق الأرضي القديم. في عام ١٩٠٧، أُغلق الطابق الأرضي القديم - الذي أصبح تحت الأرض - خوفًا من الطاعون الدبلي.
وهجرت العديد من المباني التي بقيت تحت الأرض، لكن بعضها أصبح مسرحًا لجوانب الحياة الحضرية المظلمة: الدعارة، والحانات السرية، ومخابئ الأفيون، وملاجئ المشردين. يُعتقد أن حوالي ٢٠٠٠ شخص عاشوا تحت الأرض في ذروة ازدهارها.
في خمسينيات القرن الماضي، أطلق أحد سكان المنطقة، بيل سبيدل، حملةً لإعادة ترميم جزء من ساحة الرواد، مستشهداً بقصة المدينة تحت الأرض. وفي عام ١٩٦٥، وبعد ترميم جزئي، بدأ بتنظيم جولات سياحية في بعض أجزاء المنطقة لكل من يرغب، مما أتاح للناس فرصة زيارة جانب أقل شهرة من المدينة، يضم متاجر ومنازل