من الأمور التي أسيء فهمها لدى كثير من الرجال مفهوم "القوامة"، حسبما نص قوله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
فمفهوم القوامة تكليف ومسؤولية، وليس تشريفًا وتكريمًا أو عنصريةً ذكوريةً للرجل، وليست أداة تسلط وإذلال على المرأة أو تقليلًا من كرامتها وحطًّا من شأنها.
قال العلامة الطاهر بن عاشور: "وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي".
وقال الدكتور سيد طنطاوي: "الرجال يقومون على شؤون النساء بالحفظ والرعاية والنفقة والتأديب، وغير ذلك مما تقتضيه مصلحتهن".
وقال العلامة البوطي ما خلاصته: "القوامة على الأسرة في نظام الإسلام وشرعه قوامة رعاية وإدارة، وليست قوامة هيمنة وتسلط، كما أنها ليست عنوانًا على أفضلية ذاتية عند الله عز وجل يتميز بها الأمير أو المدير، وإنما ينبغي أن تكون عنوانًا على كفاءة يتمتع بها القائم بأعباء هذه المسؤولية".
تحديات تهدد استقرار الأسرة
تواجه الأسرة في عصرنا تحديات متزايدة تضغط على تماسكها واستقرارها، وتلقي بظلالها على العلاقات بين أفرادها، حتى غدت كثير من البيوت مهددة بفقدان السكينة التي أرادها الله لها.
وقد وجَّه القرآن الكريم إلى أن مواجهة الشدائد لا تكون بالخصام والتنازع، وإنما بالصبر والرحمة وحسن العشرة، كما في قوله تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
والمعروف كلمة جامعة لكل خلق كريم من رحمة ولين وصبر وإحسان.
ومن أبرز التحديات المعاصرة ما أفرزته وسائل التواصل الاجتماعي من مقارنات مستمرة بين الناس؛ حيث تُعرض الحياة في صور منتقاة تخفي المتاعب وتُظهر الزينة، فيتوهم البعض أن السعادة مقصورة على ما يراه عند الآخرين، فتضعف في قلبه مشاعر الرضا، ويرتفع سقف توقعاته من الحياة وشريكها وأسرته.
وهنا يأتي التوجيه النبوي الحكيم ليعيد للإنسان توازنه، إذ يقول صلى الله عليه وسلم:
"انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم".
فالسعادة الحقيقية لا تُقاس بكثرة المظاهر الخادعة، وإنما بما يملأ القلوب من قناعة وطمأنينة. فكم من بيت فسيح الأرجاء ضاقت به النفوس بسبب التطلع الدائم إلى ما في أيدي الآخرين.
وقد حذر القرآن الكريم أتباعه من هذا المسلك الذي يورث الحقد والحسد والتسخط، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة رضي الله عنه قائلًا:
"وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس".
فالغنى الحقيقي غنى النفس، والرضا حصن يحفظ البيوت من كثير من أسباب النزاع والشقاق.
ومن التحديات أيضًا: التهاون في حفظ أسرار الزوجية، حتى أصبح بعض الناس يخرجون ما ينبغي أن يبقى مستورًا إلى دائرة النشر والحديث والتداول. ومتى فقدت الثقة بين الزوجين، وتبددت الخصوصية التي تقوم عليها العلاقة الزوجية، تصدعت أركان المودة واهتز بنيان الأسرة.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها".
فما أحوج الأسر اليوم إلى استحضار هذه القيم والمعاني الإيمانية والتربوية، حتى تبقى البيوت عامرة بالمحبة والرضا والثقة، قادرة على مواجهة التحديات بروح الحكمة والتعاون، فتصبح الأسرة سكنًا ومودةً ومصدر أمنٍ وأمان.