أسرار تخرج من تحت رماد.. الذكاء الاصطناعي يعيد الحياة إلى لفائف عمرها ألف عام
في إنجاز علمي يفتح آفاقاً جديدة أمام دراسة الحضارات القديمة، نجح باحثون في قراءة لفائف أثرية ظلت مغلقة لما يقرب من ألفي عام، بعدما دُفنت تحت أطنان من الرماد والصخور إثر ثوران بركان فيزوف الشهير عام 79 ميلادية.
وجاء هذا الإنجاز بفضل الجمع بين تقنيات التصوير المتقدمة والذكاء الاصطناعي، ما أتاح للعلماء "فتح" اللفائف افتراضياً دون تعريضها للتلف.
كنز أثري نجا من الكارثة
وتعود هذه اللفائف إلى مدينة هيركولانيوم الرومانية القديمة، حيث عُثر عليها داخل مكتبة "فيلا البابيري"، التي تُعد المكتبة الوحيدة الباقية من العصر اليوناني الروماني.
ورغم قيمتها التاريخية الهائلة، فإن حالتها الهشة جعلت دراستها أمراً شبه مستحيل، إذ كانت تتفتت إلى رماد بمجرد محاولة فتحها بالطرق التقليدية.
وعلى مدار عقود، واجه علماء الآثار والمخطوطات تحديات كبيرة في محاولة الوصول إلى محتويات هذه الوثائق، قبل أن تتيح التكنولوجيا الحديثة فرصة غير مسبوقة لقراءة نصوصها دون لمسها فعلياً.
رحلة لفك الشفرة القديمة
وقادت عالمة البرديات فيديريكا نيكولاردي فريقاً متعدد التخصصات ضم مؤرخين وخبراء في الذكاء الاصطناعي، بهدف فك رموز النصوص المدفونة داخل اللفائف المتفحمة، وهو مشروع طال انتظاره في الأوساط العلمية.
وأسفرت الجهود عن استخراج نصوص من إحدى أصغر اللفائف المكتشفة، والتي تناولت موضوعات فلسفية تتعلق بالطبيعة البشرية، والتمييز بين الخير والشر، وحدود المعرفة الإنسانية.
وتشير هذه الأفكار إلى ارتباطها بالفلسفة الرواقية، التي كانت تمثل اتجاهاً فكرياً منافساً للمدرسة الأبيقورية السائدة في تلك الحقبة.
أقدم من المتوقع
ومن بين المفاجآت التي كشفها المشروع، أن تحليل الخط المستخدم في إحدى اللفائف أظهر أنها تعود إلى القرن الثاني أو الثالث قبل الميلاد، ما يجعلها واحدة من أقدم اللفائف الرومانية المعروفة حتى الآن.
كما تمكن الباحثون من تحديد هوية مخطوطة أخرى، ليتبين أنها تحمل عنوان "عن الآلهة.. الكتاب الثامن" للفيلسوف الأبيقوري فيلوديموس، الأمر الذي قدم دليلاً جديداً على وجود أجزاء وكتب مفقودة من هذه السلسلة الفكرية لم تكن معروفة سابقاً.
التكنولوجيا تكسر حاجز الزمن
ويُنسب جانب كبير من هذا النجاح إلى البروفيسور برينت سيلز، الذي طور تقنية تعتمد على الأشعة السينية ثلاثية الأبعاد لرسم الطبقات الداخلية لللفائف دون فتحها.
كما أطلق مبادرة عالمية عُرفت باسم "تحدي فيزوف"، خصصت جوائز تجاوزت 1.8 مليون دولار لتشجيع الباحثين والمبرمجين على تطوير خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على اكتشاف آثار الحبر المخفية داخل المخطوطات.
نحو اكتشافات أكبر
ورغم أن قراءة كل لفافة لا تزال تتطلب تعديلات تقنية خاصة، فإن العلماء يعملون على أتمتة العملية بالكامل، بما قد يقلص زمن استخراج النصوص بنسبة تصل إلى 90%، لتُنجز المهمة خلال يوم واحد فقط.
ويأمل الباحثون في تطبيق هذه التقنيات مستقبلاً على مخطوطات تاريخية أخرى تعرضت للتلف، مثل لفائف البحر الميت، خاصة أن أجزاء واسعة من مدينة هيركولانيوم القديمة ما تزال غير مكتشفة.
ما يثير احتمالات العثور على مزيد من الكنوز الفكرية المدفونة التي تنتظر من يعيد إحياءها بعد قرون طويلة من الصمت.