عاجل

في الثانية فجرا.. كيف غيّرت المبادرة الرئاسية حياة "سارة" وأسرتها؟

أجهزة قياس السكري
أجهزة قياس السكري

في الثانية فجرا، اعتادت أم سارة أن تستيقظ مفزوعة كل ليلة تقريبا، لم يكن السبب بكاء طفلتها ذات الأعوام العشرة، بل الخوف من شيء لا يُرى بالعين المجردة، هبوط مفاجئ في مستوى السكر أثناء النوم.
كانت الأم تتحسس يد ابنتها في الظلام، ثم توقظها أحيانا لتقيس السكر بوخزة جديدة في الإصبع، مرة، واثنتان، وأحيانا سبع أو ثماني مرات يوميا، لم تكن المعاناة تخص الطفلة وحدها، بل الأسرة كلها.
تقول الأم: "كنا ننام ونحن خائفون ونستيقظ ونحن خائفون، لم يكن المرض هو المشكلة الوحيدة، بل القلق الدائم من مفاجآته".
قصة تتكرر في آلاف البيوت المصرية، فبحسب وزارة الصحة والسكان، يُقدّر عدد الأطفال المصابين بالسكري من النوع الأول في مصر بنحو 55 ألف طفل من عمر سنة حتى 18 عاما، ويحتاج كثير منهم إلى متابعة مستويات السكر عدة مرات يوميا لتجنب المضاعفات الخطيرة.


حياة تُقاس بالوخز

قبل سنوات قليلة، كان التحكم في السكري لدى الأطفال يعتمد بصورة كبيرة على القياس التقليدي المتكرر للسكر عبر وخز الإصبع.
كل وجبة تعني قياسا جديدا، كل نشاط رياضي يحتاج إلى متابعة، وكل ليلة تحمل احتمال الاستيقاظ أكثر من مرة للاطمئنان على الطفل.
وتوضح وزارة الصحة أن بعض الأطفال كانوا يحتاجون إلى قياس السكر من 6 إلى 10 مرات يوميا، وهو ما يشكل عبئا نفسيا وجسديا كبيرا على الطفل وأسرته.

نقطة التحول

أطلقت الدولة المبادرة الرئاسية لرعاية أطفال السكري من النوع الأول، بهدف توفير أجهزة المراقبة المستمرة للسكر للأطفال المستحقين، ضمن رؤية تستهدف تحسين جودة الحياة وتقليل المضاعفات وتخفيف الأعباء عن الأسر. 
الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أكد أن مبادرة رعاية أطفال السكري، ستشمل تدريب الأسر على التعامل مع الأجهزة الجديدة لقياس السكر والتعامل معها ورعاية أطفالهم. 
ومنذ حصول سارة على جهاز المراقبة المستمرة، تغيرت تفاصيل كثيرة في حياتها، بدلا من الوخز المتكرر، أصبح هناك مستشعر صغير يراقب مستوى السكر على مدار الساعة، وبدلا من التخمين، أصبحت الأسرة تعرف ما إذا كان السكر يرتفع أو ينخفض لحظة بلحظة.
أما أكثر ما غيّر حياة الأم، فكان التنبيه المبكر، إذا بدأ السكر في الانخفاض أثناء النوم، يصل إنذار فوري إلى الهاتف، إذا ارتفع بصورة غير طبيعية، تظهر الإشارة قبل أن تتفاقم المشكلة.

التكنولوجيا التي تتحدث لغة الأمهات

يؤكد الدكتور أسامة حمدي، أستاذ السكري والغدد الصماء بجامعة هارفارد، في العديد من كتاباته العلمية والتوعوية، أن أجهزة المراقبة المستمرة للسكر تمثل أحد أكبر التطورات في رعاية مرضى السكري خلال السنوات الأخيرة، لأنها لا توفر رقما واحدا فقط، بل تمنح صورة كاملة لاتجاهات السكر على مدار اليوم، وتسمح بالتدخل المبكر قبل حدوث الهبوط أو الارتفاع الحاد.
ويشير إلى أن هذه التقنيات تساعد المرضى وأسرهم على تحقيق تحكم أفضل في مستويات السكر وتقليل نوبات الهبوط الخطيرة، خصوصًا لدى الأطفال الذين يصعب عليهم التعبير عن أعراض انخفاض السكر أثناء النوم.
ويتفق مع ذلك الدكتور عمرو عمر، استشاري الغدد الصماء والسكري، الذي يؤكد أن المتابعة المستمرة للسكر غيّرت فلسفة علاج السكري بالكامل، فبدلا من التعامل مع المشكلة بعد حدوثها، أصبح بالإمكان توقعها والتدخل مبكرا، وهو ما ينعكس مباشرة على سلامة الطفل وراحة الأسرة.

ما وراء الأرقام

قد يبدو جهاز صغير مثبت على ذراع طفل مجرد تقنية طبية حديثة، لكن بالنسبة لأم سارة، هو ساعات نوم إضافية لم تكن تحلم بها، وبالنسبة للأب، هو اطمئنان أكبر عندما تكون ابنته في المدرسة، وبالنسبة للطفلة نفسها، هو حرية أكبر في اللعب والجري وممارسة حياتها بصورة أقرب إلى أقرانها.
لهذا لا تُقاس قيمة المبادرة بعدد الأجهزة التي تم توفيرها فقط، بل بعدد الليالي التي نامت فيها أمهات مطمئنات، وعدد الأطفال الذين استطاعوا أن يعيشوا طفولتهم بشكل أكثر طبيعية.

تم نسخ الرابط