عاجل

معاش 2600 جنيه فقط.. أستاذ جامعي يكشف معاناة أعضاء التدريس|خاص

الدكتور محمد عبد
الدكتور محمد عبد العزيز

أكد الدكتور محمد عبد العزيز، أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، أن أزمة رواتب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية أصبحت من أخطر الملفات التي تواجه منظومة التعليم العالي، مشيرًا إلى أن ما يتقاضاه الأستاذ الجامعي حاليًا لا يتناسب مطلقًا مع حجم المسؤولية العلمية والأكاديمية الملقاة على عاتقه، ولا مع مكانته الاجتماعية باعتباره المسؤول عن إعداد وتخريج الكوادر التي تتولى مختلف المواقع والمهن داخل الدولة.

رواتب أعضاء هيئة التدريس 

وقال عبد العزيز، في تصريحات خاصة، إن الحديث الذي أثير مؤخرًا بشأن رواتب أعضاء هيئة التدريس كشف حجم الأزمة الحقيقية التي يعيشها الأساتذة الجامعيون منذ سنوات طويلة، موضحًا أن كثيرًا من المواطنين فوجئوا بالأرقام الحقيقية للرواتب التي يحصل عليها أعضاء هيئة التدريس، بعدما كان هناك اعتقاد سائد بأن الأستاذ الجامعي يتقاضى دخلاً مرتفعًا يتناسب مع لقبه العلمي ومكانته المجتمعية.

وأضاف أن الواقع مختلف تمامًا، موضحًا أنه يشغل درجة أستاذ دكتور منذ عام 2009، ورغم ذلك فإن إجمالي راتبه الشهري يدور حول 12 ألف جنيه تقريبًا، متسائلًا: كيف يمكن لأستاذ جامعي لديه أسرة وأبناء والتزامات معيشية متزايدة أن يعيش بهذا الدخل في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل غير مسبوق؟

وأشار إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بقيمة الراتب الاسمية، وإنما بالقيمة الحقيقية للراتب مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات، موضحًا أن الراتب الذي يحصل عليه الأستاذ الجامعي حاليًا كان يقارب قيمته الفعلية ما كان يتقاضاه قبل أكثر من عشر سنوات، في وقت كانت فيه الأسعار وسعر صرف الدولار مختلفين تمامًا.

تآكل القوة الشرائية للرواتب 

وأوضح أن الدولار في عام 2014 كان يدور حول خمسة جنيهات تقريبًا، بينما تجاوزت قيمته حاليًا أضعاف ذلك، كما ارتفعت أسعار الغذاء والمواصلات والإيجارات والخدمات الأساسية بشكل كبير، وهو ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للرواتب بصورة واضحة.

وأضاف أن الراتب الذي كان يعادل قبل سنوات ما يزيد على 400 دولار شهريًا أصبح اليوم لا يعادل سوى جزء محدود من هذه القيمة، في الوقت الذي تضاعفت فيه احتياجات الأسرة المصرية ومتطلبات الحياة اليومية.

وأكد عبد العزيز أن الأستاذ الجامعي بحكم موقعه العلمي والاجتماعي مطالب بالحفاظ على صورة ومكانة معينة داخل المجتمع، وهو ما يفرض عليه أعباء إضافية لا يشعر بها كثيرون، موضحًا أن عضو هيئة التدريس مطالب بالظهور بمظهر يليق بمكانته الأكاديمية، كما أنه مطالب بالالتزام بأخلاقيات المهنة وعدم اللجوء إلى ممارسات قد تمس استقلاليته أو مكانته العلمية.

وأشار إلى أن عضو هيئة التدريس يجب أن يكون متفرغًا للتعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع، لكن الواقع الحالي يدفع كثيرين للبحث عن مصادر دخل إضافية حتى يتمكنوا من تلبية احتياجات أسرهم الأساسية.

وقال إن المشكلة تمتد أيضًا إلى أعضاء الهيئة المعاونة من المعيدين والمدرسين المساعدين، الذين يتحملون أعباء الحضور اليومي والعمل البحثي والتدريسي في ظل رواتب محدودة للغاية، رغم أن القوانين واللوائح الجامعية تلزمهم بالتواجد داخل الجامعة لأيام عديدة أسبوعيًا.

وأوضح أن تكلفة الانتقال وحدها أصبحت تمثل عبئًا كبيرًا على هؤلاء الشباب، خاصة في ظل الزيادات المتتالية في أسعار الوقود والمواصلات، متسائلًا كيف يمكن للمعيد أو المدرس المساعد أن يلتزم بكافة متطلبات العمل الأكاديمي في ظل هذا الوضع المالي الصعب.

وانتقد عبد العزيز الطريقة التي وصلت بها القضية إلى الرأي العام، مؤكدًا أن الأصل في العمل المؤسسي أن تنتقل شكاوى أعضاء هيئة التدريس من الأقسام العلمية إلى عمداء الكليات ثم إلى رؤساء الجامعات ووزارة التعليم العالي، وصولًا إلى مجلس الوزراء والجهات المعنية باتخاذ القرار.

وأضاف أن اضطرار أعضاء هيئة التدريس للحديث عبر وسائل الإعلام حتى تصل مطالبهم إلى المسؤولين يكشف وجود خلل في آليات التواصل المؤسسي، مشددًا على أن هذه القضية كان يجب أن تكون مطروحة منذ سنوات على مكاتب المسؤولين دون الحاجة إلى إثارتها إعلاميًا.

وأكد أن الحديث عن تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس لا يجب أن يُفهم باعتباره مطلبًا فئويًا أو محاولة للحصول على امتيازات خاصة، وإنما هو مطلب يرتبط بشكل مباشر بجودة التعليم العالي ومستقبل البحث العلمي في مصر.

وأشار إلى أن الجامعة هي المؤسسة التي تخرج جميع كوادر الدولة في مختلف القطاعات، وبالتالي فإن الاهتمام بأعضاء هيئة التدريس هو في جوهره استثمار في مستقبل الدولة نفسها.

الكبيرة بين رواتب أعضاء هيئة التدريس 

وضرب عبد العزيز عدة أمثلة على الفجوة الكبيرة بين رواتب أعضاء هيئة التدريس ورواتب خريجيهم بعد التحاقهم بسوق العمل.

وأوضح أن أستاذ كلية الحقوق الذي يقوم بتدريس وتأهيل الطلاب الذين يصبحون أعضاء في النيابة العامة يحصل على راتب يقل كثيرًا عن راتب أحد خريجيه في بداية حياته المهنية.

وأضاف أن الأمر نفسه ينطبق على كليات العلوم، حيث يحصل كثير من خريجي الكلية العاملين في قطاع البترول والطاقة على رواتب تفوق بأضعاف ما يتقاضاه الأساتذة الذين قاموا بتعليمهم وإعدادهم.

كما أشار إلى أن خريجي كليات التجارة الذين يلتحقون بالعمل في البنوك والمؤسسات المالية يحصلون في كثير من الأحيان على دخول تتجاوز عدة مرات ما يحصل عليه الأستاذ الجامعي الذي قام بتدريسهم.

وأكد أن هذه المفارقة تطرح تساؤلات عديدة حول ترتيب الأولويات داخل المجتمع، موضحًا أن الأستاذ الجامعي هو الذي يساهم في إعداد هذه الكوادر وتأهيلها، ومن غير المنطقي أن يصبح دخله أقل بكثير من دخول خريجيه بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء العلمي.

وقال إن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى عزوف الكثير من المتفوقين عن العمل الأكاديمي، لأنهم يدركون أن سنوات طويلة من الدراسة والبحث العلمي لن توفر لهم مستوى معيشة مناسبًا.

وأضاف أنه شخصيًا يشعر بالحزن عندما يقارن بين ما يحصل عليه الأستاذ الجامعي وبين ما كان يمكن أن يحققه لو اختار مسارًا مهنيًا آخر خارج الجامعة، مؤكدًا أن كثيرًا من الكفاءات العلمية كان يمكن أن تحقق دخولًا أكبر بكثير لو اتجهت إلى قطاعات أخرى.

وأشار إلى أن عمل الأستاذ الجامعي لا يقتصر على التدريس داخل قاعات المحاضرات كما يعتقد البعض، وإنما يمتد إلى الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه ومتابعة الباحثين والطلاب على مدار الساعة.

وأوضح أن الأستاذ الجامعي يظل على تواصل دائم مع طلاب الدراسات العليا لمناقشة المشكلات البحثية ومراجعة النتائج والإشراف على مختلف مراحل إعداد الرسائل العلمية.

وأكد أن هذا الجهد لا يقابله تقدير مادي مناسب، كما أن كثيرًا من الأنشطة الأكاديمية تتم بدافع الواجب العلمي أكثر من كونها مصدرًا للدخل.

وأشار إلى أن المشاركة في مناقشة الرسائل العلمية أو تحكيم الأبحاث أصبحت في بعض الأحيان تمثل عبئًا ماليًا على الأستاذ الجامعي.

وأوضح أنه قد يضطر إلى الانتقال لمسافات طويلة لحضور مناقشة رسالة ماجستير أو دكتوراه في جامعة أخرى، وقد تصل تكلفة الانتقال ذهابًا وإيابًا إلى مئات الجنيهات، بينما يكون المقابل المالي الذي يحصل عليه أقل بكثير من هذه التكلفة.

وأضاف أن الأستاذ الجامعي يؤدي هذه المهام من منطلق المسؤولية العلمية والرغبة في خدمة البحث العلمي، وليس لأن المقابل المادي يمثل حافزًا حقيقيًا.

ملف المعاشات

وتطرق الدكتور محمد عبد العزيز إلى ملف المعاشات، مؤكدًا أنه يمثل واحدة من أكبر الأزمات التي تواجه أعضاء هيئة التدريس، موضحًا أن الأستاذ الجامعي يُحال إلى التقاعد على أساس راتب أساسي متدنٍ، ما يجعل قيمة المعاش في بعض الحالات تدور حول 2600 جنيه فقط.

وأضاف أن هذا الرقم لا يتناسب بأي حال مع المكانة العلمية للأستاذ الجامعي أو سنوات خدمته الطويلة في التدريس والبحث العلمي، متسائلًا: "كيف يمكن لأستاذ جامعي أفنى عمره في إعداد أجيال من المتخصصين والباحثين أن يعيش هو أو أسرته بهذا المعاش؟".

وأشار إلى أن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا في حالة الوفاة، إذ تعتمد الأسرة على جزء من هذا المعاش المحدود بعد توقف المكافآت والمستحقات الأخرى المرتبطة بالعمل داخل الجامعة، وهو ما يضع العديد من الأسر في أوضاع معيشية صعبة.

وأوضح أن الأستاذ الجامعي الذي يقضي عشرات السنوات في التدريس والبحث العلمي قد يجد نفسه بعد التقاعد أمام معاش محدود للغاية لا يتناسب مع سنوات خدمته الطويلة وبعض أعضاء هيئة التدريس الذين تعرضوا لظروف صحية أجبرتهم على التقاعد المبكر واجهوا صعوبات كبيرة بسبب تدني قيمة المعاشات والأزمة لا تتوقف عند الأستاذ نفسه، بل تمتد إلى أسرته بعد وفاته، حيث تنخفض دخول الأسر بصورة كبيرة بما يهدد استقرارها المعيشي.

وأكد أن الدولة إذا كانت تسعى إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة وتحقيق نهضة حقيقية في التعليم والبحث العلمي، فإن ذلك يتطلب إعادة النظر بشكل شامل في أوضاع أعضاء هيئة التدريس ودعم الأستاذ الجامعي لا يجب أن يقتصر على الرواتب فقط، وإنما يجب أن يشمل توفير بيئة بحثية حقيقية تسمح له بالإبداع والإنتاج العلمي وأن النشر الدولي أصبح أحد أكبر التحديات التي تواجه الباحثين، حيث تتطلب المجلات العلمية المرموقة رسومًا مرتفعة للنشر يتم سدادها بالعملة الأجنبية.

نشر بحث علمي واحد 

وأوضح أن تكلفة نشر بحث علمي واحد في بعض المجلات الدولية قد تصل إلى ألف دولار أو أكثر، وهو ما يمثل عبئًا ضخمًا على الباحثين وأعضاء الهيئة المعاونة والترقي العلمي يتطلب نشر عدد من الأبحاث الدولية، وهو ما يعني تحمل تكاليف مالية كبيرة لا يستطيع كثير من الباحثين توفيرها من دخولهم الحالية والجامعات تطالب أعضاء هيئة التدريس بتحسين التصنيفات الدولية وزيادة الإنتاج البحثي، لكن تحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى دعم مالي ومؤسسي حقيقي للباحثين.

وأشار إلى أن الباحثين الشباب وطلاب الدراسات العليا يواجهون صعوبات أكبر، لأنهم مطالبون بإجراء أبحاث مكلفة في ظل محدودية الموارد والإمكانات المتاحة وخسارة باحث أو عالم شاب بسبب الظروف الاقتصادية تمثل خسارة للمجتمع بأكمله، لأن الاستثمار في العقول هو أساس التقدم والتنمية.

واختتم الدكتور محمد عبد العزيز تصريحاته بالتأكيد على أن الجامعة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي العقل المفكر للمجتمع، وأن نجاح الجامعة يعني نجاح الدولة في إعداد كوادرها العلمية والمهنية، بينما يؤدي إضعاف الجامعة إلى إضعاف قدرتها على أداء هذا الدور الحيوي.

تم نسخ الرابط