حكاية مصور ستانلي.. 7 سنوات من الشغف خلف العدسة على كورنيش الإسكندرية
على كوبري ستانلي بمدينة الإسكندرية، وبين المارة والسياح والعائلات التي تتوقف لالتقاط الصور أمام البحر، كان مصطفى المصري يحمل كاميرته ويتنقل بخطوات هادئة، يبحث عن زبون جديد، أو ربما عن فرصة تقربه أكثر من حلمه.
خلال وجودي في مأمورية عمل تابعة لوزارة الصحة والسكان، توقفت على كوبري ستانلي لالتقاط بعض الصور، فاقترب مني شاب يحمل كاميرته وعرض عليّ تصوير مجموعة من اللقطات الاحترافية، لم يكن مجرد مصور عابر، بل كان وراء عدسته حكاية تستحق أن تُروى.
مصطفى متولي، المعروف بين زملائه وزبائنه باسم "مصطفى المصري"، يبلغ من العمر 26 عاما، ويعمل مصورا فوتوغرافيا منذ نحو سبع سنوات. بدأ الأمر كهواية بسيطة، ثم تحولت الهواية إلى مصدر رزق وحياة كاملة.
يقول "مصطفى" إنه لم يتعلم التصوير على يد أحد، بل كانت الممارسة هي معلمه الأول والأخير، قضى سنوات يجرب ويتعلم ويكتشف إمكانيات الكاميرا بنفسه حتى أصبح قادرا على تحويل لحظات عابرة إلى صور يحتفظ بها أصحابها للذكرى.
كوبري ستانلي
منذ عام 2019، أصبح كوبري ستانلي مقر عمله اليومي، يبدأ يومه في الثامنة صباحا وينتهي مع غروب الشمس تقريبا، يتجول على الكورنيش، يراقب المارة، ويعرف بخبرته من يرغب في التصوير ومن لا يرغب، يقترب بابتسامة، يعرض نماذج من أعماله، فإن وافق الشخص بدأ العمل، وإن رفض شكره ومضى في طريقه.

ورغم أن التصوير هو مصدر دخله الوحيد، فإن مصطفى لا ينظر إلى المهنة باعتبارها مجرد وسيلة للكسب، بل يعتبرها جزءا من شخصيته وحياته. فهو أب لطفلين، "نور" و"مليكة"، وكل ما يتمناه أن يوفر لهما مستقبلا أفضل مما عاشه هو، لكن العمل اليومي على الكورنيش لم يكن دائما مليئا بالذكريات السعيدة، فما زالت هناك لحظة مؤلمة تطارده حتى اليوم.
أول أيام عيد الفطر
يتذكر "مصطفى" حادثة وقعت قبل أربع سنوات في أول أيام عيد الفطر كانت فتاة تقف أعلى الكوبري وسط الزحام، وفجأة جلست على السور وألقت بنفسها نحو البحر. يقول بصوت امتزج فيه الحزن بالعجز: "مسكت إيديها وحاولت أطلعها، لكن ما قدرتش. كانت اللحظة دي أصعب حاجة شفتها في حياتي".
بعد الحادثة لم يستطع العودة إلى البحر لفترة طويلة، وظل لستة أشهر تقريبا يتجنب المكان الذي شهد تلك اللحظات القاسية، ورغم ما شاهده من مواقف صعبة، فإن أكثر ما يزعجه في عمله ليس التعب أو طول ساعات الوقوف، وإنما طريقة تعامل بعض الناس مع المصورين. يوضح قائلا: "ممكن أعرض شغلي على حد فيرد بأسلوب يضايق، يكفي يقول لا شكرا، لكن الكلمة الطيبة بتفرق".
وفي المقابل، تبقى الابتسامات والذكريات الجميلة هي الوقود الحقيقي الذي يدفعه للاستمرار، فكل عميل يغادر سعيدا بصورة جميلة، وكل كلمة تقدير يسمعها، تمنحه شعورا بأن مجهوده لم يذهب هباء.

مصطفى، خريج دبلوم صنايع، جرّب أكثر من مهنة، لكنه لم يجد نفسه إلا خلف عدسة الكاميرا، حلمه اليوم ليس كبيرا أو مستحيلا، فقط أن يمتلك يومًا ما استوديو خاصًا به ومعدات احترافية باسمه، وأن يعمل لنفسه لا عند أحد.
وعندما سألته عن أمنيته في الحياة، لم يتحدث عن المال أو الشهرة، بل أجاب ببساطة: "نفسي أشوف عيلتي أحسن مني بكتير، وأعلم أولادي تعليم كويس".
على كوبري ستانلي، حيث يلتقط الناس صورا للذكرى، يقف مصطفى كل يوم يصنع ذكريات الآخرين، بينما يواصل هو مطاردة حلمه الخاص، حلم بسيط لشاب مصري اختار أن يرى الحياة من خلف العدسة.