عاجل

"هناك حالات نادرة في تاريخ الفن المصري لم يختلف اثنان على قيمتها وعظمتها، وأظن أن عادل إمام على رأس قائمة الفنانين الذين نالوا قبولاً جماهيريًا، ولم يختلف اثنان على كونه فنانًا مبدعًا يمثل قيمة فنية مرموقة ليس في مصر فقط، وإنما على امتداد العالم العربي كله، بل في كثير من البلدان الأجنبية".

تلك الكلمات الصادقة كتبها أحد أفضل وأعظم مخرجي السينما المصرية والعربية الراحل صلاح أبو سيف في مقال له نُشر في مجلة الكواكب، وهي من الحالات النادرة التي يكتب فيها مخرج عن فنان.

الحديث عن النجم الأسطوري الزعيم عادل إمام لا يحتاج إلى مناسبة، فهو يستحق الحديث والكتابة عنه كلما أردنا؛ لما يمثله من تاريخ عريق في الفن العربي، فهو نموذجًا فريدًا ونادرًا بين كل نجوم العالم، فالحقائق تقول إنه الوحيد من بين نجوم العالم الذي ظل لأكثر من 50 عامًا نجمًا يحتل الصدارة بجدارة وسط كل التغيرات والمتغيرات الفنية بفضل قدرته على أن يمسك بخيوط التميز، وأصبح عن جدارة الرقم الأول، فقدم خلال مشواره ما لم يقدمه سواه، واستطاع أن يجعل من اسمه عنوانًا لكل معاني البهجة والسعادة، وإنه حمل على عاتقه مهمة إسعاد الشعوب، من خلال أعمال كثيرًا ما حملت همومنا وأحلامنا وآهاتنا أيضًا، ولهذا يعد الفنان العربي الوحيد الذي يملك أعلى رصيد جماهيري من المحيط إلى الخليج، بسبب انحيازه إلى الشعوب، ومن ثم انحازت له ملايين المصريين والعرب، وتوجوه زعيمًا للبهجة والسعادة.

قدم النجم الكبير عادل إمام خلال مشواره 127 فيلمًا وأكثر من 20 مسلسلًا ومسرحية، ولم يأبه الزعيم يومًا بأي نقد أو هجوم أو محاولات تعطيل، بل واصل مشواره بإيمان لأنه وقر في يقينه حب الجمهور، وكثيرًا ما أعلنها صراحة أنه ينحاز للناس، وترجمها في أعمال فنية خالدة في السينما والمسرح والتلفزيون والإذاعة.

قيمة الزعيم كقامة كبيرة أدركها وقدرها العالم، واليوم أتذكر يوم تنصيبه سفيرًا للأمم المتحدة عام 2000، ويومها تأكد للجميع أن اختياره سفيرًا كان اختيارًا دقيقًا ومدروسًا لنجم أسطوري احتل القلوب بجهده وإخلاصه للفن والإنسانية، وهذا ما أكده يومها السير سورن بيترسون نائب المفوض السامي، ومما جاء في كلمته: "لقد مزج عادل إمام خلال مشواره الطويل الفن بالشجاعة والشفافية، وذلك من خلال تجسيده لقصص الناس البسطاء العاديين في الحياة اليومية ونقل مشاكلهم وصوتهم عبر شاشة السينما والمسرح".

 

للزعيم عادل إمام إسهامات خيرية وإنسانية كثيرة ومتعددة، ولم تقتصر قيمته على الفن فقط، بل توفرت له كاريزما سياسية مؤثرة وجريئة، كان قد بدأها في عام 1988 عندما قام بزيارة تاريخية إلى محافظة أسيوط وعرض مسرحية "الواد سيد الشغال" ولم يأبه يومها بتهديدات الجماعات الإرهابية، ثم أعقبها بأعمال سينمائية ناهضت كافة أشكال الإرهاب والتطرف والفساد، وكانت مبادراته المناهضة للإرهاب تنطلق من كونه مواطنًا مصريًا رفض سيطرة الفكر المتخلف وعبث طيور الظلام في أرض مصر الحضارة والتاريخ.

على المستوى العربي، قام عادل إمام بعدة زيارات لدعم اللاجئين في سوريا واليمن، وقام بمبادرة كبيرة عام 1997 بتقديمه مسرحية "الزعيم" في المغرب لدعم بيت مال القدس؛ بهدف الحفاظ على ملكية الأراضي العربية في القدس الشرقية. وفي عام 1998 قام بزيارة غزة للمشاركة في الأفراح الفلسطينية بمناسبة افتتاح مطار غزة، ويومها قال لي: "هذه لحظات تاريخية مهمة"، مؤكدًا على أهمية ضرورة مساندة القضية الفلسطينية.

عبر تاريخه، حصل الزعيم على عدد من التكريمات الكبيرة والأوسمة الرسمية من دول عربية؛ منها وسام الكفاءة الفكرية من المملكة المغربية من جلالة الملك الراحل الحسن الثاني، كما حصل على الوسام الوطني للاستحقاق في قطاع الثقافة من الصنف الأول من الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي عام 2016؛ اعترافًا بمنزلته الفريدة على الساحة الثقافية والفنية العربية، وتكريسًا لمسيرته الحافلة بالعطاء والإبداع.

وجاء أكبر التكريمات من معالي الوزير المستشار تركي آل الشيخ الذي خصص له جائزة باسم "زعيم الفن العربي"، ويومها أكد المستشار تركي آل الشيخ في كلمته أن: "هذه الجائزة استثنائية، خاصة بالفنان عادل إمام فقط، إذ تقدم مرة واحدة في تاريخ جوي أووردز". وأكد معالي المستشار تركي آل الشيخ في كلمته أيضًا أن الزعيم شرف لكل الوطن العربي، نفتخر به وبنجاحاته ورسالته وإبداعه.

هكذا هي مكانة الزعيم في قلوب كبار المسؤولين والملوك والرؤساء لأنهم عشاق للإبداع، فكرموه وتوجوه بأرفع الأوسمة.

واليوم نطلب ممن بيدهم الأمور في مصر تكريمًا يليق بمكانة الزعيم عادل إمام وبما يملك من مكانة وتأثير في الوجدان العربي، فهو ابن مصر الذي أسعدنا كثيرًا ويستحق من وطنه التتويج وتوسيمه بأعلى الأوسمة، وكلنا يقين بأن الدولة تدرك قيمته وأن منحه أعلى وسام، مثلما منحته وكرمته دول شقيقة، فهذا يعطي الأمل ويؤكد تقدير الدولة للفنون وكبار النجوم. خصوصًا أن هذا التكريم تأخر كثيرًا، وكلنا يقين بأن الدولة المصرية تدرك قيمة كبار قواها الناعمة وأن تكريمهم واجب وضرورة؛ للتأكيد على تقدير الدولة للفنون ورموزها التاريخيين.

تم نسخ الرابط